الروائية اللبنانية نرمين خنسا: كسر التابوهات يحتاج إلى منظومة فكرية تنويرية

كاتبة وروائية  لبنانية صدر لها عدة روايات من بينها \”ساعة مرمورة\”، و\”هذيان ذاكرة\”، و\”نصيبك في الجنة\”. تعمل في الحقل الثقافي وتترأس اللجنة الثقافية في النادي الثقافي العربي، ومسؤولة عن البرنامج الثقافي في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب. 

إختارتها الجامعة اللبنانية الاميركية كإحدى السيدات البارزات في لبنان. يتم العمل الان على تحويل عدد من رواياتها الى أعمال تلفزيونية. 

\”العالم الجديد\” تفتح باب الحوار مع الروائية نرمين خنسا لمد جسور المعرفة والبحث والتواصل الثقافي للتعرف على نتاجها وما أنجزته من خلال اصدارتها الروائية ونشاطها الكتابي.

* ما أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية؟ 

لا شك في أنّ التحديات كثيرة، وبرأيي أنّ أهمّ تحدٍّ يواجه فنّ الرواية العربية، هو عامل الإكتمال الفعلي لأدواته وأصواته وهواجسه ومجتمعاته، و عامل الإنزياح الجذري عن مستلبات الفن الروائي الاجنبي، الذي ذهب بعيداً وبأشواط، إلى تكريس الرواية المفتوحة على مختلف الأبعاد التعبيرية والتصويرية والإجتماعية والسياسية والنفسية والفكرية والحداثوية، التي تغوص بدقة في بحور الواقع، وتسبر بذكاء أغوار المفاهيم المستحدثة من مصطلحات عدة، مثل ما بعد الحداثة، وما بعد العولمة، والسوبر حضارة، والمكنونات الرومانسية المنسية، في عجالة الزمن، وبالأخص الزمن الروائي. وبناء عليه، نرى أن المسافة بين تكوين الأدوات، ومن ثمّ تحقيق فعل الإنزياح، هي مسافة واسعة، تحتاج إلى وثبة مهمة من قِبلنا نحن الروائيين. وهذا ما يفعله البعض اليوم، وإن كانت أعدادهم قليلة.

 

* مهمة الرواية اليوم تتمثل بماذا؟ 

للرواية اليوم، مهمات مفتوحة على جميع هذه الأصعدة، فإن لم يطرح الروائي منا الواقع العام الذي يشهده، يكون خارج النبض الإجتماعي لراهنية اللحظة، وخارج الخط المتصل بماضوية الأمس، ومستقبلية الغد، كما إن لم يشرح الروائي قضايا مجتمعاته وإنسانه ومكانه وزمانه وهويته، يكون مجرد كاتب لفضاء آخر، أما كسر التابوهات، فيحتاج برأيي إلى منظومة فكرية تنويرية هادفة، يحقق الكاتب من ورائها توعية بناءة، دون الوقوع في فخّ الترويج للرذائل والبدائل اللاأخلاقية، تحت مسمى الحرية.

لا أدعيّ هنا ان الكاتب الروائي هو باحث نفسي أو إجتماعي، بل هو راوٍ حساس وملهم ومثقف. وعليه أن يبني بأعماله أسس الإنفتاح الحضاري والثقافي بأصالة اللغة وأصالة الهوية معاً.

 

* لماذا لم تحقّق الرواية العربية رهان العالمية رغم فوز نجيب محفوظ بنوبل منذ عدة سنوات؟ 

ببساطة أقول إن سبب ذلك يرجع إلى فرادة نجيب محفوظ في تكريس رواية الواقع العربي المصري بشكل خاص، الواقع بكل ما فيه من نبض شعبي عميق الخوض، قوي التأثير، ممتد إلى ذهنية الإنسان العربي في كل بلد. لم يحدث أن قدمّ روائي مجموعة من الروايات التي تنبع من جلدة الشارع العربي العريض،ومن أحلام جماهيره وخيباتهم، كما فعل محفوظ. لقد كانت هناك أعمال روائية متميزة بوجهها التاريخي والبيئي والتراثي. إنما بقيت محدودة العدد، ذات سياق نمطي خاص، أو الأحرى، متخصص.

 

* إلى أي حد تضر الأدلجة بالنص؟ 

أعتقد أنّ لكل إيديولوجيا خلاصات وأسباب ونتائج مسبقة التحصيل، وأرى ان المتلقي يحتاج في الرواية إلى قراءة المعطى الجمالي الحكائي للأحداث والمشاعر والغايات، يحتاج إلى متخيل سردي من قلب الحكايات المسموعة والمأمولة من جانبه. والنص بحد ذاته، لكي يكون نصا روائياً، عليه ان يمتلئ بالحلم والألم والتحفيز السلس واللغة العاطفية والتنويرية غير الخطابية معا. من هنا فإن أي أدلجة سوف تذهب لا محالة، بالرواية إلى مصنّف سياسي، أوفكري إسقاطي صرف.

 

* كيف يستفيد الكاتب من التراث الخاص والعام لبلورة رؤية تحدد مسار نصه؟ 

تبدأ الإفادة الفعلية عند الكاتب في بلورة المناخ التصويري والتعبيري لأحداث  العمل الروائي، من الإنطلاق من المكتسب الوارد للموروث الأدبي والتاريخي والإجتماعي للبيئة الخاصة بوطنه، وللبيئات المتصلة به، لغة وعادات وهوية ومفارقات سلوكية، وتباينات لهجوية، فضلا عن الجوامع الجغرافية والتاريخية المشتركة، هذه العناصر توفر للكاتب الأرضية المتحركة للخوض في مسارات النص وشخصياته وأمكنته وتحولاته وحيثياته الكثيرة، على أن يمازج بذكاء بين المؤتلف من التراث والمختلف من المعاصرة، دون أن يحيد عن رائحة الواقع الذي يتنشقه هو بين أترابه.

 

* ما المساحات والبدائل المطروحة لما هو سائد وموجود في الواقع أمام كم الأسئلة المطروحة في الرواية؟ 

لا أعتقد أنّ المساحة مفتوحة الآفاق أمامنا، لطرح الإجابات الكثيرة، أو تلك البدائل المأمول بها، فالرواية العربية يتلقّاها القارىء العربي في نسبته محدودة الأعداد، وكلنا يعلم بتقلص النسبة القرائية لأبناء شعوبنا العربية، وهنا تكمن العقدة، إذْ كلما كانت مساحة القارئ متقلصة، كلما اضطّر الكاتب منا إلى طرح أسئلة وأجوبة في عمله، يدرك مسبقا أنها لن تصل إلى العوام، بل إلى النخبة.فيما الرواية إن لم تكن نبض الشعب، تفقد مؤثراتها الواسعة والخاصة في الوقت عينه، بشكل أو بآخر.

 

* ما ضرورة أن يبحث الروائي عما لا يقال ويقوله بطريقته؟

تلك ضرورة غاية في الاهمية برأيي، فكم من روائيين قالوا بأسلوبهم وبرؤاهم الفذة، ما ردده من بعدهم أبناء وطنهم، وكم من روايات حملت مقولات  وطروحات، سرعان ما انطبقت على مجتمعاتهم، شخصياً، لطالما بحثت في رواياتي الواقعية على أصوات الناس بكل أطيافهم، وعبّرت عن صوت المواطن اللبناني، والمرأة، والحرب، والمهمشين في الطرقات، والمعذبين في بيوتهم، وما زال قلق البحث يصيبني عند كل عمل روائي جديد لي. 

 

* كيف ترين الرواية قبل وبعد عام 2000؟

الرواية في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، اتسمت بشيء من الواقعية الكلاسيكية، وبشيء من الانفتاح التجريبي لمفهوم الحداثة، ومعظم الروايات التي صدرت آنذاك في البلاد العربية، اتسمت بهذين العاملين، أما الأعمال الروائية التي صدرت مع إطلالة القرن الحادي والعشرين، فقد انغمست اكثر في تقنيات السرد الحديثة، وفتحت فصولها على اللا مباح، خصوصاً في موضوعة الجنس، بحيث كان الشغل الشاغل للروائي، لاسيما في لبنان، هو تعرية الجسد، والدخول بجرأة كبيرة إلى عوالمه.

 

* ماذا ينقصك كروائية؟

ربما، ينقصني تعدد الرحلات إلى بلاد العالم، فالمطالعة الواسعة لكل منّا، لا تغنيه عن غنائم السفر، فالإطلاع على جمال البلدان حول العالم، وثقافات شعوبها، أمر يغني الذاكرة والخيال والفكر، ويعزز التفاعل الحسي والجمالي والواقعي بكل مؤثراته.

 

* هل تحتكمين لأراء النقاد بشكل نهائي؟

آراء النقاد تعني لي، مثلما رأي القارئ يعني لي، بالتأكيد لا أحتكم إلى رأي ناقد دعاني مثلا إلى تغيير تقنية معينة في كتابتي، ذلك لأن أسلوبي يعكس شخصيتي في السرد، وفي إنشاء الحبكة، وفي انتقاء المفردات، وفي تمرير الغايات، اما الإقتناع بنصيحة ما تؤدي إلى توسيع نقاط مهمة واردة في أعمالي، فهو أمر وارد عندي.

 

* هل تعيدين حساباتك بناء على ما جرى وما يجري الآن في الساحات العربية ليكون لك طرح مع أو ضد أم أن الأمر عادي بالنسبة لك؟ 

إن ما تشهده الساحة العربية اليوم من احداث وتطورات ومتغيرات دراماتيكية، لايعلم احدنا أفآقها المستقبلية،لابد ان تنعكس بطريقة أو بأخرى على افكارنا وبالتالي على كتاباتنا الروائية، وبالنسبة لي كتابتي لها مسار أساسي يقوم على مباديء ومفاهيم وطنية وعروبية  لذلك فمن الممكن أن ان اعيد حساباتي وفقاً لقراءتي الذاتية وقناعتي الفكرية لما يجري وليس وفقاً للمصالح التي تمليها علينا رياح المتغيرات.

 

* الرواية العربية بعد الثورات العربية المتواصلة حالياً أين تسير؟

أرى أن مسار الرواية العربية بعد \”الربيع العربي\” لن يكون مواكباً أوعاملا تغييرياً وإستيعابيا للنتائج على الأرض من جهة، وللتحولات الكبرى، من جهة ثانية . ثمة ثغرة تحول دوماً بين الروائي العربي، وبين الحدث الكبير الذي تشهده منطقته. والأسباب برأيي، تعود إلى حالات التشظي التي تحيط بإنساننا العربي بشكل عام، وبعلاقة المثقف بالسلطة، بشكل أعمّ، وبهوية الرواية العربية، بشكل خاص، وأعتقد أن المكتبات ستشهد ولادة بعض الروايات العجالية التي تحاول رصد سخونة الراهن ليس إلا.

 

* هل تطمحين لتحقيق أسلوب جديد؟

كل كاتب لديه حلم أساسي، وهو الإتيان بأسلوب جديد في فنّ الكتابة، حلمي أنا يندرج في هذاالمضمار، لذلك أسعى إلى تكريس سياق تعبيري وأدواتي مختلف. إذ إنّ كلمة جديد، حولها ألف علامة استفهام، وهناك جدلية تقوم على دحض مفهوم الجديد تحت شمس هذا الكم الكبير من الإرث الحضاري عبر العصور، لذلك فإن الإختلاف هو المفهوم الأقرب إلى رصد الجواب الصحيح.

 

* كيف لا تكون رواية العمل التاريخي \”رواية تاريخية\”؟

تكون ذلك باجتناب المصنفات التقريرية التوثيقية، وبتوظيف المعلومات والإسنادات، بطريقة سردية فنية، تتطلبها الرواية كعمل فني (إجتماعي، فكري، إنساني) فهناك فارق كبير بين الدراسة التاريخية التي يضعها المؤرخ. وبين الكتابة التاريخية التي يوظفها الروائي، كما وتكون باجتناب المؤشرات الهوامشية الصلبة لمادة التاريخ، وهذا ما برع فيه كل من عبد الرحمن منيف، وجمال الغيطاني، وأمين معلوف وسواهم.

 

* كل يتلمس الحداثة في الرواية من زاويته من تكوينه  ولكل كاتب مفهومه للحداثة  فما هي رؤيتك للحداثة في الرواية؟ 

شخصياً أجد أن تحديث القاموس المستخدم في اللغة، بمواكبة ذائقة العصر ومتداولاته التعبيرية، هو أمر ضروري، على أن لا يحيد هذا التحديث عن جمالية اللغة العربية، وعن شفافية التصوير العربي، والحس العاطفي، والمبدأ الإنساني لمجتمعاتنا، فضلا عن تحديث الرؤى التي تهدف إلى غايات تنويرية قدر المستطاع.

 

* إلى أي حد تحضر الايدولوجيا في نصك وما رأيك بالايدولوجيا فنيا؟ 

نصوصي بعيدة عن الإيدولوجيات المؤطرة بالحزبية والطائفية والرعوية وما إلى ذلك. أنا أكتب من منطلق الوصول إلى الإنسان السوي، والمجتمع الراقي، المعطاء. أسعى إلى تنقية النظرة إلى المرأة ودورها الأصيل في تنشئة أجيال الأمان والعطاء والعلم، لاسيما في محيطها العربي الواسع، المكتظ بالتحديات والحواجز والضربات، عموما لست مع أدلجة العمل الروائي.

 

* من أين تتولد الشخصية الروائية لديك؟ 

 معظم شخصياتي استلهمها من بيئات اجتماعية متعددة الشرائح ومتنوعة، ففيها الفقير والغني، المتعلم والأمي، الذكي والساذج، الظالم والمظلوم، فضلاً عن شخصيات ذكورية وأنثوية تتماهى مع الصعاب والمعاناة المتأتية من قصص الحب وخيباته ومن المآسي الناجمة في بعض الاحيان عن الحياة الزوجية غير المتكافئة، أما المكان فأغلبه في لبنان وفي بعض الدول الأوروبية.

 

* ما الذي يحقق الخلود للشخصية الروائية؟

باعتقادي أن الشخصية الروائية التي تعيش في ذاكرة الناس لعصورعديدة هي الشخصية التي تحاكي نبض الشعوب بقوة وتجسد مرثية تاريخية، مثل شخصية جان فالجون في رواية البؤساء لفيكتورهيغو، ذلك لأن كل ما يصدر من ألآم انسانية على مستوى العالم بأسره يبقى لاشك في ضمائرالأجيال على مدى الزمن.

 

* ما أهمية طرح شعرية السرد كلغة بديلة عن السرد العادي؟ 

 لا شك في أن استخدام الروائي لغة الشعر في تقنيات السرد يرفد الرواية بإحساس عال وصور جمالية تحمل القارئ الى فضاءات حسية مرهفة تجعله أقرب الى تذوّق البنية السردية التي تتمازج بعض الشيء مع الشعر.

 

* إذا ما فكرت يوما في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتبين كل شئ عنك (المحرج والصعب والحساس وو الخ) أم انك ستقدمين شيئا وتستثنين أشياء؟ 

بالنسبة لي اذا فكرت يوماً بكتابة سيرتي الذاتية فأنا بالتأكيد سأكون صادقة في كل ما أكتبه مع استثناء ما لا يفيد القارئ. فمن المهم جداً أن نقدم للقراء الغاية المثلى في تعميم الفائدة وليس الغاية الترويجية التي لاتعنيه بل تعني الكاتب وحده.

 

* هاجس البحث عن هوية للرواية العربية أو التي يكتبها كُتاب عرب كيف ترينه؟ 

طبعاً هذا هاجس كبير يتعلق بي وبكل الروائيين العرب خصوصاً أن ثمة اشكالية كبيرة وجدل أكبر حول تحديد هوية الرواية العربية، بمعزل عن تأثراتها المتعددة بهويات روائية عالمية، لا شك في أن الهدف الذي نصبو اليه جميعنا هو أمر غاية في الأهمية لذا ينبغي لنا المضي قدماً في تحديد هذه الهوية بشكلها الكامل والمستقل معاً.

 

* من هو القارئ المفترض بالنسبة إليك؟ إذا سلمنا بوجود قارئ مفترض لدى الكاتب؟ وإلى أي حد تفكرين بهذا القارئ عند شروعك بالكتابة؟

لا وجود لقارئ افتراضي انما القارئ يبدأ من الروائي نفسه ومن البيئة التي يعيش فيها والمحيط الذي ينتمي اليه والأمة التي هو جزء منها والثقافة التي تشكل وعيه والعالم الذي أمسى قرية كونية، وبهذا المعنى أراني بصدق أقترب برواياتي من البيئة اللبنانية والبئة المصرية والعربية بشكل عام ولا تنس أن بدايات الرواية كفن أدبي كبير بدأت في مصر وكبار الروائيين كانوا مصريين قبل نوبل وبعد نوبل، ومن نافل القول أن الروايات في العالم أخذت حيزاً كبيراً وهذا ما جعلني كغيري من الروائيين أصوب الى القارئ في القضايا الانسانية البسيطة والتي يحدث أنها تجري في كل مكان في العالم. 

 

* إلى ماذا ترجعين أسباب عدم وجود قارئ متفاعل مع ما يكتب وينشر من أعمال أدبية وثقافية مختلفة؟

– الأسباب جوهرية وعديدة أهمها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة التي عاشها وما زال يعيشها العالم العربي، فضلاً عن تراجع نسبة المطالعة في مختلف الهيئات التربوية والاهلية والشعبية في مجتمعاتنا. وكذلك ارتفاع اسعار الكتب في بعض البلدان بسبب انعدام الدعم المادي للحكومات فيها. 

 

* ألا ترين أن الرواية تحولت إلى موضة فصار الكل يسعى لكتابتها.. الشاعر يكتب رواية والقاص يكتب رواية والناقد يكتب رواية والمفكر كذلك؟ 

عالم الرواية مفتوح لاصحاب القلم في كل الميادين، ولا بأس من أن تكون هناك محاولات لمن يجد في قلمه المقدرة على خوض الفن الروائي الا أن الزمن يبقى هو وحده الحكم الأساسي في غربلة تلك التجارب وفي تصنيف الروائي الحقيقي من الروائي الدخيل.

أقرأ أيضا