(السابق) و (الراحل) وما بينهما!

كنت في سياق مقالتي الأخيرة في \”العالم الجديد\” قد أوردت اشارتين، الأولى الى صدام حسين، والثانية الى حافظ الأسد، وقد سبقت اسم كل منهما بكلمة \”الرئيس الراحل\”، لكنني وجدت أن إدارة التحرير قد استخدمت ما اعتبرته حقا لها في ابدال كلمة \”الراحل\” بالنسبة للأول بكلمة \”السابق\”، فيما أبقت على الكلمة كما هي بالنسبة للثاني، وشكل ذلك من وجهة نظري موقفا في التفريق بين الرئيسين، فيما أرى أن كلا منهما قد أساء الى حزبه قبل أن يسيء الى شعبه، وان افترقا وتخاصما. وأن كلا منهما أيضا سعى لاقامة حكم شمولي استبدادي، وان اختلفت الصور والمشاهد. 

وقدرت أن ادارة التحرير خشيت من أن يتسبب اطلاق صفة \”الراحل\” على صدام في اثارة بعض القوى النافذة ضدها والتي ربما تطالب باجتثاث \”العالم الجديد\” جراء ذلك، وراجعت نفسي فوجدت أنني لم أكن أريد احراج أحد أو وضعه في موقف صعب قد يجر عليه المتاعب، كما أن المقالة المذكورة لم تكن في وارد تقييم أي من الرئيسين الراحلين أو قل السابقين!. 

والذي أعرفه أن صفة \”الراحل\” في إحدى احالاتها اللغوية تعني \”الميت\”، رغم أن ثمة احالات أخرى يمكن أن توصلنا اليها مثل \”المسافر المرتحل الى مكان آخر\” فيما كلمة \”السابق\” تحيل في أحد معانيها الى \”المتقدم الى عمل ما\” أو \”المتقدم في الخير\” وهو ما ورد في الآية الكريمة \”والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم\”، والذين قال عنهم رسول الله (ص): \”الذين اذا أعطوا الحق قبلوه واذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم\” تفسير ابن كثير، ولا أعتقد أن ادارة التحرير قصدت هذا المعنى، وانما تكون قد استخدمت الكلمة بمعناها الشائع وهو أن يكون شخص ما قد تولى مركزا أو منصبا ثم فقده! 

وعلى أية حال فان المرء قد يستنتج أننا ما نزال أسرى الخوف الذي لازمنا عقودا وجعلنا نفكر ألف مرة قبل أن نقول كلمتنا، أو نصمت!

وتحضرني واقعة مماثلة حدثت معي زمن النظام السابق أو قل الراحل فقد كتبت ذات مرة خاطرة قصيرة عن صدام حسين للنشر في مجلة \”ألف باء\” عندما كان الزميل صاحب حسين رئيسا لتحريرها، وقد أوردت فيها اسم صدام مجردا، وعندما نشرت الخاطرة في المجلة فوجئت أن رئيس التحرير قد أضاف من عنده العبارة المعهودة آنذاك \”السيد الرئيس القائد … حفظه الله ورعاه\”، ولم أسأل المجلة عن السر في ذلك لأنني كنت قد أدركته! 

وربما تغني الواقعة التالية في توضيح ما نريد أن نقوله. ففي أواخر عقد السبعينيات حدث أن زار صدام جريدة الجمهورية وألتقى بمحرريها وكتابها وأطلق من هناك عبارته المعروفة \”أنتم أحرار فيما تفكرون وتكتبون\”، وقد انبرى له في موقف فريد يحسب له الزميل الكاتب والقاص نواف أبو الهيجاء، ليقول له \”اننا لا نستطيع أن نكون أحرارا في ما نريد أن نقوله لأن الشرطي استوطن أعماقنا، وكلما حاولنا أن نحرك قلمنا قبض على يدنا بقوة\”! 

وأظن أن \”الشرطي\” ما يزال يستوطن أعماقنا.. وسيظل ربما لزمن أطول! 

والشيء بالشيء يذكر!

أقرأ أيضا