السرد السايكلوجي في رواية \”مخصيات\” لالهام عبد الكريم

خيط الوصل في \”مخصيات\”، رواية للالهام عبد الكريم، يتجسد بين زحام الانكفاءات النفسية للشخصيات النسوية الخمس، التي شكلت بساط التعرف على تشكلات التأزم ووحدة العقدة في البناء الدرامي، فالراوية اشتغلت على بنية روي هي الكشف عن «المضمر»، مضمر قابل للقراءة والتأويل و \”التوثيق\”. سنقتنص تقنية سردية (مضمرة) في جوانب السرد ،تتمثل باللعب على المهيمن السايكلوجي في بث الاحداث و بنائها.

رواية \”مخصيات\” في جانبها النصي، تحاول (إلهام) / الساردة، ان تخفي ذلك الانفعال والتأزم الغريزي، وتبدله بخطاب معرفي واعي للاشكالية :(كلنا وقفنا في المربع وكلنا غادرناه، وكلنا ندري إن آوان العودة إليه مسألة وقت…).

النص المشفر يحدثنا عن مواطن تلف إجتماعية ـ تاريخية، لكنها تثير التعاطف كونها مواطن لا تنتمي لها الشخوص بالإرادة، وتقنية السرد المسترخية في لغة تشوبها الشاعرية نوعاً ما، وتمظهر ذوات الشخوص عبر تخطيطات «موجة» – احدى الشخصيات الرئيسة – هنا تتقافز في محيط حكائي متوزع الاضاءة والظلمة، ففي نقطة تضيء لنا جانب من سيرة الشخوص، وفي اخر تعتم فتتداخل المعطيات في اشارة خاطفة الى ان شخوصها ينتمون لذات العقدة السايكلوجية المهدومة.

فالمنجز كتكوين نصي إعاد بث مأساة «متجددة» وإيقظ «عقدة» نائمة في سرد مطواع الى درجة اللذة لا تخفى فيها حرفية الحذف والقص والمنتجة.

من المفاتيح التي قدمتها لنا (الهام) / الساردة، إخفاء الانا واحلال الضمائر المتصلة، في تهويم قصدي للفصل بين الشخصية الساردة ـ وبين الشخوص الاخرى، بل مجرد سلوكيات وردود افعال تضيء تلك المكامن الخفية التي مؤكداً كشفها النص الكامل ـ وبين الشخصية المُكوِّنة.

لكن خيط بخور يدلنا على مكامن التقاء الانا المُكوِّنة؛ بالانا الساردة، فحسب التصور البروستي المتجاوز للتمييز التقليدي بين الشكل والمضمون تكمن هناك (بنية غائية) مسكوت عنها مغيبة قصداً، متفاعلة مع مهيمنات المحيط ونتاج «أنا» تحاول اعادة تفكيك تلك المهيمنات عبر صدم «الانا» بالدخول الى منطقة الخلق.

ربما يؤثث ذلك الاشتغال ديناميكية تحرك روح النص، عبر متوالية منافذ [التخارج والتداخل]، اي اقنعة الحلول والاغتراب، داخل نص هو كبنية واعية يمارس فعلاً إخصائياً، عبر الطواف في فضاء انوثي مغلق بإتجاه الازمة.

فنجد في البوح الارادي مخرج مبتكر للمواجهة، فوفقاً لجان بيير ريشار  (اسلوب ينزع اليه الانسان مختاراً ، فعبر ما يصنع به يبتكر ، وفي ذات الوقت يكتشف).

فالفعالية الكتابية ـ في هكذا اشتغالات ـ هي إستحواذ ذاتي للعالم، وباب طمأنينة يفتح على الذاكرة، كفعل استرجاعي تقييمي، فالنص هنا يجتذب المتلقي الى بقعة زمنية دلالتها التاريخية مختلفة تماماً عما تختزنه الذاكرة الجمعية عنها، الزمن هنا دلالة هلامية لايشترط وجودها في تحديد قيمة النص ، كونه زمن خاص منحصر في تركيبة الوجوه الخمسة [الساردة، موجة، صاغيك ، برتيون ، زهراء].

الوجوه الخمسة تشكل مكعباً سايكلوجياً ناقصا، يتممه مربع العقدة / القاعدة.

كتشكيل تجسيمي فأن قاعدة المكعب هي العقدة الاخصاء التي ارتكزت عليها الوجوه الاربعة [الساردة، صاغيك، برتيون، زهراء]، مربع السطح «شخصية موجة» التي تمثل تيار الوعي الانقلابي في تفكيك دوال العقدة عبر الكشف، كفعالية استشفاء قاسية تنتمي في اشتغالها الى تجربة الاريكة والمقعد الفرويدية، كتداع تلقائي للبوح المنفك من رقابة التابوهات.

إحالة مهمة في ان رغبة البوح والكشف هذه لها تواصلها، في وجود حقل نفسي مشترك بين الوجوه الخمسة، ففي اجابة «موجة» الحلقة الاهم في الرواية، على استفهامات الساردة عن غاية اندماجها الكلي في اطار صحبتهم، تقول موجة: « البحث عن التكامل … / التكامل المأساوي»، وهذه اشارة قوية بإتجاه كشف العقدة في نمطيتها ووجوهها.

وهناك اشارة لاتقل اهمية في قول موجة: (الارادة في اخطر افعالها واهم اجزائها غائبة، كنا مشدودات بحبل متين الى الاخر). والاخر، مهيمن الاخصاء الذكوري فالانشداد، هو حجر ردم النقص والاحتياج.

تقنية السرد كما تبين عبر الاجتزاءات التي اشرنا اليها، تبنى بذكاء وغريزة في آن معا، فإلهام حاولت ان توظف فعاليتها كأنثى في بناء الروّي، وذكائها كقاصة في السرد، ولأنها تتحسس كما يبدو لمناطق انكسار حاد في شخوصها عبر تلاقيها (حتما) مع انكسارها ذاتي، أوجدت تقنية متواشجة مستمرة ومتوالدة بفعل اتصالية مشكلات الشخوص ببعض عبر مسارب مختلفة لتصل معا الى نقطة التلاقي على عقدة واحدة هي \”الاخصاء\”.

بمعنى اخر: تبدأ حكاية كل شخصية بيومياتها وفعاليتها الحركية داخل النص بنهاية حركة الشخصية السابقة او اللاحقة، فهي تجعل من سردها خيط طويل او حلزون غير منتهي من الاحداث المترابطة عبر التداخل بين المشتركات السايكلوجية للشخوص.

فلعبة الروائية الهام عبد الكريم كانت كتقنية سرد ذكي هي الكشف عن شخصياتها عبر اضاءة المشتركات السايكلوجية لدى شخوصها الاناث.

أقرأ أيضا