العراق في خطر.. وتحالف بغداد ودمشق أصبح ضرورة إستراتيجية

مثلت سيطرة \”داعش\” على مناطق واسعة من شمال العراق مفاجأة تصل حد الصدمة، ولم تكن سوريا بمنأى عن يد هذا التنظيم المسلح الذي يسيطر بالفعل على مناطقها الشرقية وأبرزها الرقة ودير الزور والحسكة، لتختلط الأوراق كثيرا في وقت بدت معها مواقف دول المنطقة في تناقض غريب بشأن ما يحدث في العراق وسوريا، إضافة إلى التوجس الذي بات يهيمن على المنطقة من تكرار نموذج \”داعش\” في أكثر من دولة عربية.

 

في إطار ذلك سارعت القوى الإقليمية والدولية مباشرة إلى التعامل مع الواقع المستجد، بعضها درءاً للخطر عن حدودها، وأخرى محاولة اقتناص فرصة امتلاك أوراق جديدة في مرحلة كسر التوازنات التي تمر بها المنطقة، فالنجاحات العسكرية لداعش في العراق وسوريا تجسد سياقات التغيير في الشرق الأوسط وتعظم دافع المحافل المتطرفة لاستغلال النجاح من أجل توسيع نفوذها الإقليمي.

 

بعد فوز الأسد بولاية رئاسية هي الأولى له في ظل الدستور الجديد، وبالنظر إلى تقدم الجيش السوري في بعض المناطق، تبدو سوريا أكثر دول المنطقة تأقلماً مع خطر التنظيمات الإسلامية، إلى حد يسمح لها بمساندة العراق في حربه ضد داعش، وليست الضربات الجوية التي ينفذها سلاح الجو السوري فوق الأراضي العراقية إلا صورة للتعاون الأمني السوري – العراقي في مواجهة هذا التنظيم المتطرف، فالدولتان تتقاسمان المخاطر الناتجة عن توسع حالة \”داعش\”، غير أن اختلاف المعطيات الداخلية عند كل منهما ربطاً بعامل الزمن مقلق للعراق أكثر مما هو لسوريا، فتوسيع ساحة المعركة ليس عنصراً إيجابياً لداعش، بل على العكس من ذلك يشكل المسمار الخطير في إبادة هذا التنظيم، خصوصاً وأنه بات يواجه جيشين بقدرات متنوعة براً وجواً، بالإضافة إلى أن ملامسة الأخطار لحدود دول إقليمية أخرى ستسارع بدورها إلى مد يد العون لهذين الجيشين كخطوة وقائية لحماية حدودها، فضلاً عن أن عدم القبول الشعبي لداعش سواء في العراق أو سوريا يساعد في سرعة تلاشي هذا التنظيم.

 

إن أحداث العراق وسوريا عابرة للحدود، وهذا ما يسهّل انتقال الحريق والإرهاب إلى الدول المجاورة، خاصة بعد إعلان \”داعش\” أن عملياتها تمتد من سوريا إلى لبنان والأردن والعراق وفلسطين والكويت، ولكن ما يثير الخوف هو أن تستغل الجهات المحلية أو الإقليمية التي تسعى إلى تسعير الفتن المذهبية في هذه الدول والمنطقة، إلى استغلال هذه الأحداث في خلق \”حالة متطرفة\” تستحضر المشهد العراقي والسوري إلى دول المنطقة.

 

وهنا لابد من القول إن تكاليف انتشار الأزمة السورية في المنطقة وتبعات التطرف، خاصة هيمنة \”داعش\” على المجموعات الأخرى، أصبحت واضحة للجميع، وباتت سوريا كارثة وليس بينها وبين العراق حواجز حدودية. وبالطبع يرتبط ظهور الصراع الطائفي المرعب في العراق بصورة معقدة بما يحدث في سوريا، ولن يكون هناك حل فعال أو ممكن لمواجهة التهديد الذي تمثله \”داعش\” في العراق من دون اتخاذ خطوات في سوريا تحرمها من ملاذها وقاعدة تجنيدها.

 

وفي إطار ذلك يمكنني القول إن الوضع في منطقة الشرق الأوسط مخيف وخطير، وشبح التقسيم تحول اليوم إلى أمر واقع في المنطقة التي باتت تغرق في العنف والفوضى التي تمارسها المليشيات المسلحة والجماعات المرتزقة، وبالتالي فإن هذه الحالة من الفوضى غير الخلاقة لن تنتج سوى مزيد من العنف والموت والدمار والخراب التي باتت تهدد الأمن الإقليمي والدولي. لذلك يجب علينا التنبه للمخططات الاستعمارية في تفتيت الأمة العربية التي تهدف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة على وفق مصالحها، وتفويت الفرصة على أصحاب الأجندات باستغلال الأزمات واستثمارها لتحقيق مآربها.

 

ولابد للعراق من تعميق الصلات بالدول العربية التي تعاني من العدو نفسه، وفي طليعتها سوريا، وتشكيل حلف عسكري وسياسي معها ومع دول الجوار، فضلاً عن التعاون مع الجهات الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة في مواجهة التطرف وأدواته. ولا شك في أن من يدفع ثمن الأحداث الحالية في دول المنطقة هم المواطنون بالدرجة الأولى، لذلك فإنه من الأجدر إشراك المواطنين ببرامج مكافحة الإرهاب على جميع المستويات في سبيل إعادة اللحمة الضرورية للنسيج الاجتماعي في العراق والمنطقة.

 

وأخيراً أختم مقالتي بالقول إن كل ما يدور ويحدث على أرض العراق وسوريا يبعث على القلق والخوف من انتشار وانتعاش الكيانات الطائفية، وأنا على ثقة تامة بأن الشعبين السوري والعراقي قادران على تجاوز وتخطي أزمتهما ومحنتهما الراهنة لأنهما يدركان جيدا دورهما في المنطقة العربية، وقدرتهما على مواجهة المشاريع الامبريالية الرامية إلى تجزئة وتقسيم الأقطار العربية، لذلك لابد من التوحد حول المشروع الكفيل بمجابهة الهجمة على بلدنا وشعبنا وأمتنا.

 

* د. خيام محمد الزعبي: كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا