العنف الفردي والجماعي في سرديات علم النفس الكلاسيكي/ 2من9

لفهم ظاهرة العنف في المجتمع نقدم هذه البسطة النظرية كمقدمة لمناقشة الموضوع ضمن السياقات التأسيسية في علم النفس المجتمعي الكلاسيكي، معولين على صبر القارئ لفهم هذه المقدمات على أمل أن ندخل في صلب موضوع ظاهرة العنف في المجتمع العراقي بعد ذلك:

 

في رسالة فرويد الشهيرة إلى الفيزياوي الألماني الأشهر إلبرت إنشتاين مجموعة لما يمكن أن نسميه تأملات تنحو منحى الفرضيات العامة والمبادئ الأولية حول ظاهرة العنف يمكن تلخيصها في التالي: المبدأ العام هو أن يلجأ الناس لاستخدام العنف بغية حل النزاعات بينهم حول مصالح معينة. في البداية كانت القوة العضلية هي التي تقرر مشمولات الملكية الخاصة والسيطرة. بعد دخول السلاح إلى الميدان بدأ التفوق الفكري يحل محل القوة العضلية الفيزيقية. إن قتل الخصم يرضي ميلاً غريزياً لدى المنتصر، ولكن هذا الميل قابله ميل آخر \”نفعي\” فتح الباب لعصر الاستعباد بإبقاء المهزوم على قيد الحياة ولكن كأسير وعبد. إنّ وحدة الأفراد الضعفاء تصنع القوة، إذن الوحدة بوصفها الشكل المنظم لعنف الجماعة يمكن أن تحطم عنف الفرد. وهكذا صار الحق هو قوة الجماعة، وإن السيادة لم تعد لعنف أفراد بل لعنف الجماعة. إن تحقيق الانتقال من العنف إلى الحق الجديد أو العدالة الجديدة يتطلب شرطاً سيكولوجيا هو ثبات ودوام وحدة الأكثرية.

 

وعلى مستوى التعميمات والتجريدات النظرية المحضة يوضح فرويد لمكاتبه إنشتاين الركائز المنتقاة التالية: تتكون الغرائز البشرية من نوعين فقط: غريزة الحياة التي تسعى للبقاء والاتحاد \”الليبيدو\” أو الغرائز الجنسية \”الإيروسية\”، أما الثانية فهي غريزة التدمير أو الغريزة العدوانية. إن نشاطات الإنسان، ومنها العنف كسلوك عدواني، لا تنشأ نتيجة دافع غريزي واحد دمجت فيه عناصر \”الليبيدو\” وعناصر الغريزة التدميرية فقط بل، وكقاعدة، لابد من وجود جملة دوافع أخرى مركبة.

 

لقد نظر العلماء بعد عدة عقود إلى هذه النواتات الفرويدية على أساس أنها بدائية بل ومحافظة ولكن هذه الملاحظات ذات المنحى التقييمي لا تنقص في الواقع من القيمة فائقة الأهمية تاريخياً لها كأسس علمية ريادية في مضمارها وقد فتحت الباب واسعاً لاحقاً لتأسيس منهجيات جديدة متنوعة ومتخصصة في تفرعات علم النفس المجتمعي.

 

حري بنا أن نواصل متابعة التطورات البحثية والنظرية ضمن حدود، وبما يخدم دراستنا لظاهرة العنف في العراق، ولكن هذه المرة، بمزيد من التخصصية، ومع اجتهادات ومشاريع تفسيرية لعلماء آخرين، سيكون فرويد من ضمنهم ولكن ليس كرائد ومؤسس بل كصاحب مشروع نظري تفسيري بين مشاريع أخرى.

 

إن التعريف النفساني التقليدي للعدوان، بشكليه الأكثر هولاً: العنف الفردي والحرب، على أنه شكل من أشكال السلوك البشري لا يضيف جديداً على الصعيد الماهوي. أما الإغراء المتمثل بإضافة تحديد معين لهذا التعريف الأولي كالقول مثلاً إنه (شكل من أشكال السلوك البشري الشاذ أو غير الطبيعي) فقد يدفع بالباحث إلى منـزلقات معيارية \”قيمية\” واستهدافات أيدلوجية وسياسية نرى أنها في أحسن الأحوال منتوج للظاهرة لا مُنتِجها، وإذن فهذان المحذوران المؤقتان ليسا على صلة مفهومية بالموضوع.

 

يفترض الباحثون النفسانيون أن العدوان وبالتالي العنف هو ثمرة أو حاصل جدلية: التحريض/ الكبح. والمقصود بالتحريض هو مجموعة العوامل الكامنة في النفس الإنسانية التي تحرضه وتدفعه للقيام بالنشاط العدواني بغية إلحاق الأذى بالآخر أو الآخرين: ويضيف إليها بعضهم ما يدعونه العوامل الظرفية. فالتحريض إذن هو مجموع العناصر أو العوامل الحاثة. أما الكبح فيعني عندهم مجموعة العوامل المانعة أو المعرقلة للقيام بالعدوان. ويرى فرويد أن عنصر الكبح الرئيس يكمن في الأنا العليا التي تنمو وتتطور بنمو وتطور علاقة الطفل بأسرته؛ ويعتقد آخرون منهم دولارد، أن الكوابح تنتج من عوامل ظرفية ومحيطية \”بيئية\” وأن أساس الكبح هو في العقاب وتوقع العقاب.

 

هذه الخلافات في التأصيل والتأسيس المنهجي ليست ترفاً نظرياً يتعلق بحالات فردية ومسارات سريرية لعلاج هذه الحالة أو تلك، بل إنها تهم وبشكل رئيس موضوعة العنف الجماعتي أو المجتمعي. ليس بسبب التفسير الساذج والقائل بان المجتمع ليس إلا مجموعة من الأفراد أو القول بأن ما يصح على الفرد يصح على المجتمع، فرغم جاذبيتها تظل هذه الفكرات بعيدة عن تعقيدات الظاهرة المعنية. وكما لا يصح الحكم على سكان مدينة ما بأنهم عباقرة بسبب وجود مجموعة منهم فيها لا يصح الحكم  على ما تبقى من السكان بأنهم أغبياء. والحال فإن فرضيات القائلين بالأساس الفزيولوجي أو العضوي للعدوان قد تؤدي إلى استنتاجات من هذا النوع فإن الجهد المنهجي الذي تقوم به التفسيرات التاريخية والبيئية ستعدل وتقوم كثيراً من الزيغ النظري الحاصل جراء النوع الأول من المنهجيات.

 

وبكلام آخر، فإن دراسة ظاهرة العنف الفردي ضرورية جداً لدراسة ظاهرة العنف الجماعتي أو المجتمعي لأنهما من طبيعة واحدة من حيث الجوهر البشري أو الإنساني لكليهما، ولأنهما، في الوقت نفسه، ليسا من طبيعة واحدة على صعيد تعقيدات الظاهرة مأخوذة في كليتها التاريخية. لسوء الحظ ليس ثمة إمكانية لنزع طابع التعقيد أو حتى التناقض الظاهري في أمور تخص النفس البشرية كهذه. كيف نفهم مثلاً الخلاصة العجيبة التي أطلقها كونراد لورنز والتي تقول \”إن الناس المفطورين على الطيبة تماما والذين لا يستطيعون حتى معاقبة طفل شرير، قد برهنوا على أنهم قادرون تماماً على إطلاق الصواريخ أو إلقاء الأكداس المكدسة من القنابل الحارقة على المدن الغافلة وبالتالي قتل مئات وآلاف الأطفال في أفران اللهب. إن كون الرجال العاديين الطيبين هم الذين يفعلون ذلك يحمل من الغرابة والهول ما تحمله أية فظاعة شيطانية من فظاعات الحرب؟\”  بإمكان أيٍّ كان أن يهرع  إلى التفسير الوظيفي وآليات  الطاعة غير أن ذلك لن يكون كافياً أو دقيقاً كفاية فعمر الحروب بين بني البشر أطول كثيراً من عمر الصواريخ ووسائل القتل الغربية الحديثة.

 

لا يستطيع الخائض في موضوع الصياغات النظرية حول ظاهرة العنف والعدوان إلا أن يعرج على مشروع نظري قائم على جدلية التحريض والكبح نعتقد بأنه يتميز بأهمية خاصة وهو مشروع نظر له ثلاثة من علماء النفس هم جون دولار وليونارد دوب ونيل ميلر ويدعى نظرية الإحباط والعدوان. وفرضيتها الأساسية تقول إن العدوان يفترض مسبقاً، وعلى نحو دائم، وجود الإحباط، والعكس صحيح. ومن المفيد الاطلاع على بعض الخطوط العامة لمبحث \”الإحباط/ العدوان\” في هذه الخلاصات:

 

– العدوان لا يظهر دائماً بشكل مكشوف إنما قد يكون مضموناً لنزوة أو حلم.

 

– قد تنشط مجموعة محرضات لتحقيق استجابة معينة واحدة.

 

– العمل الذي يختم سلسلة أعمال ضمن ثنائية الإحباط عدوان يدعى الاستجابة النهائية.

 

– إذا حدث ما يخفف درجة قوة التحريض وحال دون بلوغ الاستجابة النهائية ستحدث الاستجابة البديلة.

 

– إن قوة التحريض تتناسب طردياً مع درجة الإعاقة وعدد سلاسل الأفعال وردود الأفعال المحبطة والاستجابة المحبطة.

 

ومن أهم الاستنتاجات التي ينتهي إليها أصحاب هذه النظرية: 

– التعبير عن أي عمل من أعمال العدوان هو تنفيس يخفف من التحريض على أعمال عدوان أخرى.

 

– ثمة وحدة وظيفية تمثلها ظاهرتا التنفيس والتحويل.

 

– الكبح المباشر لأعمال العدوان هو إحباط إضافي يحرض على العدوان.

 

– بما أن معاقبة الذات هي شكل من أشكال العقاب فإن العدوان على الذات يتغلب على قدر من الكبح وهو قلما يقع إلا إذا تعرض التعبير عنها إلى كبح أشد.

 

لقد ظلت نظرية \”الإحباط – العدوان\” ولفترة طويلة حكراً على ميدان العدوان الفردي ولكن الثنائي (إيفو وروزا فايرابند) بادرا إلى تطبيقها على الظاهرات الاجتماعية وقد حاولا بقدر معين من النجاح تحليل ودراسة جذور الثورات والتغيرات السياسية العنيفة. وهذه بعض الأسس والركائز النظرية لبحثهما مما له صلة بموضوعنا: السلوكيات العدوانية ذات العلاقة بالسياسة هي تحديداً درجة أو مقدار العدوان الذي يوجهه أفراد أو جماعات ضمن نظام سياسي معين ضد مركب أصحاب السلطة والأفراد والجماعات المرتبطة بهم. إنه أيضاً مقدار العدوان الموجه من قبل أصحاب السلطة والأفراد والجماعات المرتبطة بهم. أما إذا كان الإحباط يؤدي إلى العدوان فإنه قد يؤدي أيضاً إلى نماذج أخرى من السلوك الإيجابي كتقديم الحلول البناءة للمشكلات القائمة. ثم إنّ الإحباط المنظومي هو ناتج التناسب بين \”تلبية الحاجات الاجتماعية\” و\”تشكل الحاجات الاجتماعية\”. لذلك يكون الاستقرار السياسي ممكناً إذا انخفض الإحباط المنظومي نسبيا. أما البلدان التي تسيطر عليها أجواء عدم الاستقرار السياسي فهي التي تعاني من مستوى مرتفع من الإحباط المنظومي.

 

وللحديث صلة نستعرض فيها بعض إحداثيات العنف في التاريخ الشرقي والعربي بدءا من الحروب الفونية (الفينيقية) بين مملكة قرطاجة الفينيقية وروما الإمبراطورية في القرن الثاني ق م، ومرورا بانتفاضة ملكة تدمر الحسناء المثقفة زنوبيا ضد الهيمنة الرومانية في الثالث ب م، و ليس انتهاءً بالحروب الصليبية ضد الشرق العربي الإسلامي.

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا