العيون السود

ليست العيون السود عيون امرأة تتغزل بها الرواية، وتحكي عن قصة حب تقع للبطل مع صاحبتها، ولكنها عيون رجل.

 

وليس صاحب العيون السود رجلا واحدا. إنهما اثنان تحبهما امرأتان الأولى \”يمامة\” وهي رسامة، والأخرى \”جنان\” وهي طبيبة.

 

أما صاحبا العيون السود فالأول هو \”حازم\” والثاني هو \”جمال\” كلاهما تأخذه الحرب الثمانينية الطاحنة وتهدمه، وتحوله إلى ذكرى وغصة لا تزول من خيال ومشاعر المرأتين.

 

وإذا كان \”حازم\” ينتهي محطما ومغتربا في مكان لا تعرف عنه \”يمامة\” غير أنه قد يكون أمريكا، فان \”جمال\” ينتهي إلى أسر طويل يعود بعده في التسعينيات رجلا كهلا منحنيا تغيّر فيه كل شيء وفقدت العيون السود فيه بريقها.

 

وإذا كانت \”يمامة\” تنجذب إلى جار جديد اسمه \”مثنى\” ترى في عينيه سواد عيون \”حازم\” وتقبل به زوجا لها بعد ممانعة منها، فإن \”جنان\” التي تنتظر \”جمال\” ولا تريد غيره، تتزوجه بعد سنوات طويلة من الانتظار ورفض المتقدمين لها.

 

ولكن كلا النهايتين لم تكن سعيدة! فـ\”يمامة\” تقبل بنسخة مشوهة عن \”حازم\”، والنسخة العصرية التي أنتجها عقد الحصار. النسخة التي تكذب وتخدع وتفكر بمنطق الذكر الذي يجب أن يستجيب للأنثى، ذلك عندما يتسلل إلى \”حياة\” ابنة جيرانهم \”هنوة\” التي جاءت بعد وفاة أمها إلى بيت زوج الأم، ولم ينج من إغوائها حتى زوج الأم.

 

و\”مثنى\” النسخة المشوهة تتعامل مع الآخرين، ومع يمامة التي يحبها، بمنطق السوق، وبمنطق الربح والخسارة. وعلى \”يمامة\” أن تترك عالمها الخيالي ومثاليتها الزائدة، وأن تنظر إلى الواقع واليه بعين الحقيقة، وكما هو، لا بعين الرسامة، وكما يجب أن يكون عليه الرجل. فهو لا يشبه إلا نفسه، وإلا الحياة التي يتحرك فيها ويتعامل مع الناس.

 

أما \”جنان\” فإنها تحصل على \”جمال\” محطما ومنطفئا وتعرف فيه شخصا آخر غير الذي انتظرت وأحبته. إنه لا يشبه \”جمال\”!

 

وفي الحالتين تقبل المرأتان بالواقع وبالتغيير الكبير الذي حصل للعيون السود فحوّلها إلى مسوخ وأشباح.

 

الرواية، كما هي جميع روايات ميسلون هادي، تركز في الشخصية، وتتابع عددا كبيرا من الشخصيات متنقلة بين حكاياتها وتصرفاتها، وما يحركها من آمال وأحلام وطموحات تجعلها إما مهزومة أو منتظرة انتظارا له طعم الهزيمة.

 

والسرد في الرواية يعنى بالتفاصيل وبالمشاعر الصغيرة جدا التي لا تُبرر. فالأطفال الذين تجمعوا حول الصندوق الخشبي الطويل الموضوع فوق سقف السيارة محاولين التكهن حول الوضع الذي تنام فيه \”هنوة\”، يبتسمون لبعضهم البعض بلا معنى، وهم يؤمرون بالتنحي عن طريق السيارة كي تتحرك.

 

وهي تفاصيل يلتقطها سرد ميسلون هادي ويتمسك بها لتأكيد عجز الإنسان، وعجز الشخصيات داخل الرواية عن تفسير موقفها من الحياة ومن العالم، وما يسببه من خيبات. فهي، أي الشخصيات، تتحرك، عاجزة، في إطار عام تحكمه ذات القوانين وتحركه ذات الظروف التي تحرك كل مكونات المشهد، داخل الإطار، من حيوان وشجر وحتى عطر. فـ\”يمامة\” تجيب عن سؤال حازم الذي جاء يعودها، عند مرضها، بالقول: لا شيء خطير اعتقد أنها حمى داخلية. لينتقل السرد من هذا الحوار إلى نوافذ الغرفة المفتوحة على زقزقة العصافير وقت الغروب \”وثمة قطة شهباء كانت تسير على حافة الجدار الذي يفصل بيتها عن بيته من جهة الخلف. كان ينظر إليها بصمت. هكذا أحست يمامة بالرغم من أنها لم تكن تنظر إليه وإنما إلى القطة الجائعة التي كانت ترفع رأسها في الهواء وتتشمم باحثة عن حشرة تأكلها\”.

 

أما الرواية، وأما السرد، فهما شاهدان أمينان على ذلك العجز الذي تكرسه أنظمة حكم جاهلة وقاسية لا تقيم وزنا للإنسان أو المكان أو الثقافة، وكل ما يهمها هو مواصلة حروبها التي لا تنتهي إلا بالخراب وإلا بدحر الإنسان من الداخل ومن الخارج.

إقرأ أيضا