الفضاء السردي في (تاسوعاء) طالب عبد العزيز

الزمان والمكان من أهم أركان البناء السردي، وهما مفصلان بارزان في نصوص مجموعة طالب عبد العزيز الثالثة والتي عنونها بـ«تاسوعاء»، والصادرة عن مركز عبادي للدراسات والنشر في صنعاء عام 2003، في 120 صفحة من القطع المتوسط، واشتملت بين دفتيها على تسعة نصوص، كان أغلبها نثرياً سوى واحداً جاء موزوناً. 

وفي تقديمه للمجموعة أشار الناقد حاتم الصكَر إلى ان هذه الخصوصية قد انطبعت بها نصوص طالب عبد العزيز عموماً، وهي في نظره «تتلخص في نزوعه موضوعياً إلى العودة الدائمة للتاريخ كقطب زمني يعيّن هوية نصه، والى البصرة ونواحيها دائماً كقطب مكاني يثبت حدود السرد في نصه». وبهذا تتضح مكونات الفضاء السردي الذي تتحرك فيه الشخصيات الشعرية لنصوص طالب عبد العزيز، ونضيف لها توظيف الشخصيات التي لها حضور رمزي ودلالي عميق، أو حميمية تضفيها على النصوص.

في النصّ المُعنون «سوق عثمان» يستعيد، بإشارات شعرية، وقائع تاريخية مرتبطة بالمكان الأثير لديه، فيقول:

«والأبلة عليّ وعائشة

ورائحة انبثاق الشمس في المحاريب

حبشيات يطرقن على الآنك 

صور الأمراء المنتصرين

غلمان يغسلون بماء الزعفران

أعمدة المصلّى

وبالورق السمرقندي

يسوّون ورد الزينة

يكتبون بالخط الكوفي عليه

أشعار أبي نواس وحافظ».

فيحضر المكان منذ عنونة النص، إلى مفاصله ورموزه الظاهرة، كما يستدعي سرديات وأخباراً لها رنينها التاريخي، وارتباطاتها الوثيقة بهذا الفضاء الثري. كما تصنع الأفعال السردية ومشتقاتها، في النص، مجازاً حكائياً نابضاً بحياة المكان وتاريخه القريب والبعيد.

لا يكاد مقطع يخلو من سرديات طالب عبد العزيز المُدافة بماء الشعر ولغته المشعّة، وكثيراً ما تطالعنا شخصياته الحكائية الباذخة، فها هو يستعيد صورة الوالد الغائب في نص بعنوان «عبد العزيز»، يقول في استهلاله:

«العبيد يصلحون قاربك

وفلاحون من أبي الخصيب

يحرثون لك الأفق».

ففي تلك الأرض الخضراء التي يسكنها النخل، ويصافحها الماء بمدّه وجزره، يرقد الأب، وتبقى حكاياته ماثلة في ذاكرة الشاعر، فيتراءى له واحداً من أشجارها، فيناديه: «لا تأخذ من الماء، أكثر مما يأخذه فسيل منسي». إذ يبدو ان الاب لم يقوَ على مغادرة أرضه حياً ولا ميتاً، بوصفها فضاءه الأثير الذي يشاطئ الحكايات.

تواصل النصوص رسم شخصياتها الحكائية الحميمة، بشعرية سردية مفعمة بشجون الحياة، فتطلع شخصية الأخ الغائب في نصّه المميز «أسفل الفنار»، حيث يجتهد النص في رسم الفضاء الذي غادره الأخ، وقد انتظر الشاعر عودته كثيراً «أسفل الفنار، حيث تخلد الأشرعة الممزقة». في حين يلمّح إلى المكان الذي فُقدَ فيه الأخ، خلال الحرب فيقول: «في القصب المحترق الندي، ذكرى أخٍ ميّت». وتتواصل حكاية الذكرى والانتظار للأخ، فيغريه بالعودة، ويستشرف له الآتي: «سترى الخليج يضيق، كلما كنتَ ضجراً وحزيناً»، لكنه لن يعود إلا طيفاً أو حلماً.

يحضر الأخ، بدلالاته المحزنة، وما يضمره من محكيات، في نص عنوانه «أمطارٌ خضراء»، فيقول:

«أيها المطر

يا من تغسل بمديحك الشوارع

والأشجار والحصى

هلا مررت على شاهدة أخي

أخي الذي عصفت الغربة

بقبره كثيراً

أعده بأسئلته الألف

أعده لمنزلنا على النهر

إذا كنت صادقاً

أيها المطر الحزين

أعد أخي

الذي ترزح شاهدته البيضاء

تحت يديك المنهمرتين».

تنهمر المعاني من هذه التراكيب المنسابة بعذوبة واتساق، وتختلط مدركات حكاية الفقد الحزينة بالنبرة الشعرية المتصاعدة، وتتعانق مناجاة المطر، رمز العطاء، مع هواجس الأسى العميق، الأسى الذي لا ينفك يستثير لواعج الحنين والاشتياق لدى الشاعر، فتطلع في نصوصه كلّ حين.

أقرأ أيضا