القوة الناعمة

أن تصدر رواية احمد سعداوي \”فرانكشتاين في بغداد\” بطبعتها الرابعة، فهذا يعني، على العكس مما هو متداول، أن هناك جمهورا عراقيا عريضا يقرأ.

أن يطبع عدد كبير من المجموعات الشعرية، بعضها لشباب في العشرينات من أعمارهم، فهذا يعني أن جذوة الشعر لن تنطفئ في العراق.

أن يصر سينمائيون عراقيون على إنتاج أفلام يطوفون بها المهرجانات العالمية فتحصد الجوائز، فهذا يعني أن لا قوة على الأرض تستطيع أن تمنع مبدعا من مواصلة إبداعه.

أن تبقى حية في وجدان العراقيين أصوات ناصر حكيم وسليمة مراد وفؤاد سالم وعفيفة اسكندر وكل تلك السلسلة الذهبية من الأصوات العراقية، فهذا يعني أن لا أحد بإمكانه أن يصادر حق العراقي في الاستمتاع بالغناء.

أن يعمل المسرحيون العراقيون في ظل أقسى الظروف على إدامة وجود المسرح في حياتنا، فهذا يعني أن أنوار المسرح لن تطفأ في العراق.

كل هذا، الذي اصطلح على تسميته بالقوة الناعمة، هو قوتنا الضاربة، نحن الذين لا نملك مالا ولا سلاحا ولا عشائر تنتخي لنصرتنا وتطالب بالفصل لنيل حقوقنا. نحن لا فصل لنا، ولا نملك سوى قلم نكتب به وعود نعزف عليه وريشة نرسم بها أحلامنا وخشبة نجسد فوقها حياتنا وكاميرا يحملها مبدعونا على أكتافهم.

لكننا نزعم أن قوتنا الناعمة هذه، هي التي توحد شعبا يراد له أن يبدل هويته ويتحاصص في أرضه. من يستطيع أن يمنع عراقيا يعيش في الرمادي من أن يستمتع بفن الخشابة البصري؟ من يقوى على منع نجفي من أن يستمع إلى عفيفة اسكندر، وتركماني من أن يقرأ رواية لوارد بدر السالم، وموصلي من أن تحفظ ذاكرته فلم سعيد أفندي، وبغدادي من أن تخاطب وجدانه لوحة لنوري الراوي تجسد ذلك الجمال المذهل لأعالي الفرات؟ بل من يجرؤ على أن يدعي أن نصب الحرية ملك لأهالي بغداد؟

قبل أيام، كنت أتحاور عبر الانترنت مع صديق كردي يعيش آمنا مطمئنا في السليمانية. وفي معرض حديثه قال لي \”أقسم بكل دربونة من درابين بغداد\”. كم هزني ذاك القسم الفريد وهو يعبر ببلاغة عن وشيجة نسج خيوطها تاريخ مشترك وممتد لن تستطيع الأهواء السياسية وما سفكته من دماء أن تقطعها.

من يريد أن يجرد العراقيين من قوتهم الناعمة ويغير هويتهم هو نفسه من يريد أن يتحول العراق إلى كانتونات منعزلة تحارب بعضها بعضا من أجل تقاسم الأرض والمياه والموارد. لكن مشكلة هؤلاء أنهم يعيشون بعقلية زمن كان فيه الراديو والرسائل البريدية هي الوسائل الوحيدة للإطلال على العالم وما يجري فيه وللتواصل مع الآخر. هم لا يدركون أن فكرة العزل أصبحت مستحيلة في ظل وسائل الاتصال الحديثة، تلك التي مكنت أي عراقي من أن يتواصل مع الآخرين بضغطة زر على الانترنت.

لقد كشفت محنة الأنبار الأخيرة كم هي مجدية وسائل الاتصال الحديثة هذه. قد لا يتاح لأي منا أن يدخل إلى مواقع الأحداث الدامية ليتحقق مما يجري على الأرض التي تسفك فوقها دماء العراقيين بلا تمييز، لكننا نتواصل مع أهل الأنبار، نقرأ شهاداتهم اليومية ونستمع إلى نداءاتهم، ولن تستطيع قوة مسلحة في العالم أن تمنع هذا التواصل مهما كانت (داعشية).
ومرة أخرى، إن قوتنا الناعمة هي قوتنا الضاربة.

إقرأ أيضا