الكتاب الممنوع

أفكر في كتاب في طه حسين، حين يسألني أحد عن غياب الرموز الفكرية المؤثرة في عصرنا هذا، وغياب الكتب التي تثير ضجة وتُمنع من التداول. وأتساءل لماذا لم يعد هناك طه حسين؟ نعم.. لقد كان صوته عالياً وكثيراً ما كان يجانب الصواب فيما يطرح. وأحياناً يقف في وجه التحديث الذي جاء منادياً به في بداياته، فها هو يقف ضد محمود أمين العالم وجماعة النقد اليساري الجديد متهماً لهم بالغموض في مقالة اسمها \”يوناني لا يقرأ\”!

نعم.. كان مبهوراً بالغرب وبالمناهج الغربية وساعياً إلى عزل مصر عن أصولها الإسلامية، منادياً مرة بالجذور الفرعونية وأخرى بالانتماء إلى ثقافة دول حوض البحر الأبيض المتوسط.

وقد كان أيضاً رجلاً قد تحوّل من النقيض إلى النقيض. فمن مؤمن بالعلم والعقل والغرب نابذاً الدين والتقديس والإسلام والإسلاميين إلى مؤمن بالعرب وبالدين في أواخر حياته، ليكون رئيساً لمجمع اللغة العربية. ويقال إن ذلك بتأثير مصر الناصرية القومية التي أغرته خلافاً لمصر الملكية بالتحول إلى ثوابت القومية ولوازمها كالدين واللغة والتراث. ومن أين لطه حسين أو لغيره أن يخالف المد الجديد!

نعم.. كان طه حسين كل ذلك، ولكنه كان ظاهرة في الكتابة النقدية كماً ونوعاً. فقد كان مكثراً لا يقل منجزه عن مقالتين في صحيفتين مختلفتين أسبوعياً ومن دون ابتذال للنقد ولا لموضوعه الأساسي، وهو النصوص الأدبية. فكان يناقش التراث بأعقد نصوصه وهو الشعر الجاهلي، ويناقش الحديث فيتعرض لحافظ ولشوقي، وهو مع ذلك يجذب القارئ ويقرب إليه النصوص والأفكار ويوصل إليه الرسالة التي يريد ايصالها. فهو يتحرك في إطار العلاقة التوسطية التي يقوم بها النقد بين النص والجمهور. وكل ذلك في سياق التنوير الذي يُجند فيه الابداع والنقد وسائر الفنون الأخرى لتوعية الإنسان وتثويره من أجل تغيير حياته وواقعه والرقي بهما.

وكان طه حسين أول من حرك المياه الراكدة المسماة التراث. وأول من حوّله إلى موضوع أساسي من موضوعات الدرس والبحث لا موضوعاً ثانوياً تُخدم بدرسه العلوم الدينية ويُتقرب به إلى القرآن. وأول من جعله مادة للجدل والنقاش والأخذ والرد وصولاً إلى مراجعة الذات وموقفها من التراث وعلاقتها بالهوية التي طالما تمزقت بين التراث وبين المعاصرة. فهو في النتيجة يقول إن الهوية لا تقوم من غير ذات متسائلة متفردة واعية قادرة على المراجعة والتصحيح وإعادة إنتاج الموقف من كل ما يحيط بها فهي ليست تابعة. وأول شيء ينبغي ألا تتبعه هو التراث وبعد ذلك وبالضرورة الغرب أو غيره.

وطه حسين من أوائل الذين جعلوا النقد عملاً منهجياً وعلماً مستقلاً يقوم على المراجعة والاستقراء والاستنتاج وعلى مجموعة من الآليات الكتابية من بينها الحجاج والسجال والمقايسة والبرهان وكلها تتشكل من خلال استحضار القارئ السلبي والتقليدي ودحضه للإعلاء من القارئ المتوخى او المرغوب فيه الذي تُعقد عليه آمال النهضة والتحديث في الفكر والثقافة. وكل ذلك بعد أن كان النقد تطبيقاً لمجموعة من المعايير القديمة البالية بلغة بالية يغيب فيها الناقد ويغيب فيه القارئ فكلاهما يتماهيان مع صورة نمطية لناقد ولقارئ مطلقين.

ربما لم يجد طه حسين ما نجد في عصرنا من حدة منهجية جعلتنا بطريقة أو بأخرى محنطين لا نجرؤ على الخطو خارج حدود المنهج النقدي والأدبي ولا نجرؤ على تجاوز النص إلى السياق ولا نجد أية صيغة لإقامة علاقة بين النصوص والحياة والواقع، ومن جراء ذلك لم نعد قادرين على تبني مواقف ثقافية وتمريرها عبر النقد ومراجعة النصوص والتراث، فما أقرب الناقد إلى التلميذ المطيع للمناهج وللمرجعيات النقدية والنظيفة ثيابه من أي أثر لقذارة الشوارع. فهو ينظر إلى المعنى من زجاج النص، وكثيراً ما لا ينظر إلى أي معنى بقدر ما ينظر إلى ترتيب وتنسيق وتقنية النص الذي يركبه.

وبالنتيجة ليس هناك ناقد مشاكس كطه حسين ولا كتاب نقدي ممنوع ككتاب في الشعر الجاهلي وكل ما هنالك نص ممنوع بين الحين والآخر يفخر به صاحبه. ولعلنا بلغنا عصراً جديداً بعد عصر الكتاب النقدي الممنوع ومن ثَمّ عصر النص الممنوع.

إنه عصر المطبوع الفارغ من القيمة والمعنى الذي لا يحفل به أحد؛ لا السلطة ولا المجتمع ولا النقد. وإنه عصر يجعلنا نتحسر على عصر الكتاب الممنوع متذمرين: 

أين عصر الكتاب الممنوع.. أين!!

إقرأ أيضا