المصالحة العاجلة التي تحتاجها سوريا

من دون أدنى شك أن مصير سوريا ووحدتها ومستقبلها، بل ومستقبل المنطقة يتوقف على قدرة السوريين على مغادرة ماضيهم الصراعي، السياسي والمجتمعي. فسوريا تمر بلحظة مفصلية وفاصلة من تاريخها وهي بحاجة بدلاً من العنف والسلاح إلى اصطفاف وطني من كافة أبنائها لمواجهة التحديات الراهنة، وهذا يتطلب التسامي فوق الجراح والأحقاد وأن يذهب السوريون جميعاً تجاه السلام والوئام مشمرين سواعدهم لتحقيق التنمية والنهوض الحضاري الشامل.

 

إن الحديث عن المصالحة الوطنية ينبغي أن تسبقه أفعال حقيقية تعكس جدية الداعين لها، وتكشف عن صدق نواياهم وتوجهاتهم قبل أي شيء آخر، وفي مقدمة ذلك توجيه الخطاب الإعلامي بما يسهم في إنجاح هذه المصالحة ويعزز الخطوات التي تهدف إلى بناء المستقبل بكل مسؤولية، وينبغي ألا يتم التعامل مع هذه المصالحة كلعبة سياسية من هذا الطرف أو ذاك بغية تحقيق مكاسب سياسية أو توظيفها في اتجاه الإضرار بأطراف أخرى، فالمفهوم الواسع للمصالحة الوطنية أكبر من أن يحصر في نطاق ضيق أو بهدف تحقيق أهداف سياسية ضيقة، فالمصالحة الوطنية تعني إسقاط جميع المصالح في سبيل تحقيق مصالح الوطن العليا، ولهذا يجب أن تبنى المصالحة على أسس وطنية ورؤى واضحة تشارك في رسم ملامحها مختلف القوى السياسية دون استثناء.

 

لذلك وكخطوة أولى في اتجاه المصالحة الوطنية ينبغي على كافة أطراف العملية السياسية أن تصدق في نواياها وتثبت لأبناء الشعب مصداقية دعواتها للمصالحة وعكس ذلك على الواقع الوطني، وما دون ذلك فإن هذه الدعوات ستبقى مجرد ظاهرة صوتية هدفها الهروب من التزاماتها الوطنية، والتوجه نحو خلق صراعات جديدة.

 

ومن هنا نقول بكل وضوح إن نافذة الحوار لم تغلق في أي يوم أمام أي طرف كان بما فيه أولئك الخاطئون الذين ظلت الدولة تتلمس لهم الأعذار بدافع الحرص على أن يظل باب التوبة مفتوحاً أمامهم، فقد مدت يد التسامح والعفو لكل المخطئين طالما عزموا على تصحيح أخطائهم وخطاياهم باستثناء الذين ركبوا موجة الهدم والتخريب والقتل والتدمير.

 

وحتى تكون الأمور أكثر وضوحاً فان الكرة صارت في ملعب من شملتهم دعوه الحوار الوطني وهم من سيتحملون مسؤولية إنجاح هذا الحوار وخروجه بالرؤى والتصورات المثلى لمعالجة القضايا التي تهم الوطن والمواطن.

 

لقد عانى الشعب السوري بما فيه الكفاية جراء توسع الهوة بين الفرقاء، وازدادت حدة الانقسامات المجتمعية تبعاً لهذا التنافر، وهو ما يحتم على كل الأطراف في هذا الظرف شديد الحساسية الذي يمر به الوطن أن تتخلى عن أنانيتها ونفورها من بعضها، لأن ذلك هو الخيار العقلاني المتاح لتشكيل جبهة وطنية قوية تكون قادرة على مواجهة التحديات المختلفة.

 

لم يعد هناك متسع من الوقت لبقاء الأحقاد بين الفرقاء ولا استثمارها بطريقة أو أخرى لإعاقة تطلعات الشعب الذي يراهن على المستقبل وعلى الخروج من دوامة الصراعات والأزمات المتعاقبة التي أنهكت الوطن طويلاً وأدت إلى تخلفه عن ركب الأمم والبلدان المتقدمة. ولاشك أنها فرصة سانحة الآن ليتجاوز السوريون ماضيهم ليضعوا معاً أسس الغد المشرق للدولة السورية القوية.

 

ومن المهم إدراك أن العبور إلى المستقبل ليس مسؤولية القيادة السياسية وحدها، بل مسؤولية كل القوى المجتمعية، وهو ما يتطلب بالفعل إخلاص النوايا من الجميع لتشكيل اصطفاف وطني عريض لا يقصي أحداً ولا يستثنى منه أي طرف. وإذا كان من الإيجابي أن يطوي السوريون اليوم خلافاتهم فإن من المهم التأكيد أن ذلك بأي حال من الأحوال لا يعني التراجع عن إجماع الإرادة الوطنية المتمثلة في تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، كما لا يعني مهادنة مساوئ الماضي أو الرجوع إليها أو الانتقاص من آمال الشعب المتطلعة إلى وجود دولة وطنية ديمقراطية قوية تناهض قوى الفساد والإفساد وتقوم على العدل والشراكة وتحقق الأمن والاستقرار والعيش الكريم لجميع مواطنيها.

 

لذلك فإن مصلحة الوطن تقتضي إدراك الجميع أن المصالحة الوطنية الشاملة والدائمة أصبحت ضرورة حتمية تفرضها المرحلة وتستدعيها مجمل التحديات التي تواجه البلاد. من اجل هذا كله يجب على القوى السياسية التوجه لإعلان مصالحة وطنية شاملة فيما بينها والتوقيع على صلح عام حيث سيكون لهذا الإعلان أثر ايجابي في تهدئة النفوس وتهيئة الأجواء المناسبة لتنفيذ مخرجات الحوار، وتغليب مصلحة الوطن على ما دونها من المصالح الذاتية والحزبية باعتبار أن هذا الوطن ملكنا جميعاً والحفاظ على مكاسبه ووحدته واجب جميع أبنائه دون استثناء.

 

ونعلم جيدا أن الغالبية يدركون هذه الحقيقة بقدر إدراكهم أن قضايا الوطن لا ينبغي أن تكون مجالاً للمتاجرة وأن القضايا الوطنية أسمي من أن تتحول الى إدارة للابتزاز أو المساومة أو التكسب وتحقيق المطامع والنزوات الشخصية، فالتاريخ لن يذكر إلا أصحاب المواقف النزيهة والشريفة الذين يضعون الوطن في عيونهم.

 

في إطار ذلك يمكنني القول أن المصالحة الوطنية أصبحت ضرورة حتمية للوصول إلى المستقبل المأمول في ظل المحاولات والمساعي الدولية الرامية إلى تحويل البلاد لميدان صراعات وتصفية حسابات، من خلال التنظيمات الجهادية التي تهدد وجود الدولة، وبالتالي فإن بقاء الأطراف في وضع التناحر يتيح فرصاً للجماعات المسلحة للإجهاز على ما تبقى من كيان الدولة السورية.

 

وأخيراً أختم مقالتي بالقول إن الشعب السوري معروف بطبعه الطيب وبأنه متسامح، فليس لنا من مسار سوى تجاوز الماضي وترميم ما حصل فيه، وإعداد ميثاق لكافة أبناء المجتمع يتضمن نبذ الحروب والتسامي فوق الخلافات التي أضرت بالبلاد والعباد ودفع الجميع الثمن غالياً.

 

* د. خيام الزعبي: كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا