الموازنة العراقية ومتطلبات التحديات

ترتفع الأصوات مرة أخرى بضرورة إقرار الموازنة، كما هي، حتى قبل تشكيل الحكومة، وهذا يعني مرة أخرى، تجاهل جميع المبادئ الأساسية لتنظيم وإعداد الموازنة، وخصوصا في المرحلة الحالية، التي يواجه فيها العراق ظروفا استثنائية ومأساوية غير مسبوقة. ولذلك فهو يحتاج إلى إجراءات استثنائية من أجل مواجهة هذه الظروف، والعبور بالعراق إلى بر الأمان، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

ومن الضروري تحليل هذه الظروف، ومعرفة الأولويات التي يواجهها العراق. فالعراق شئنا أم أبينا، هو في حالة حرب في بعض المناطق، وفي حالة اضطراب أمني كبير في مناطق ثانية، مع وجود مناطق أخرى واسعة آمنة أو شبه آمنة، تنعكس عليها حالة الحرب وحالة الاضطراب، وهذا يتطلب منا العمل على تنظيم الموازنة وفقا لهذه الظروف. أي أن تكون للعراق موازنة تستطيع أن تلبي متطلبات الحرب من ناحية، ومتطلبات احتياجات المناطق المضطربة، والمناطق الآمنة في آن واحد، ومواجهة التحديات والالتزامات التي تفرضها نتائج الحرب والاضطراب على المناطق الآمنة.

 

والكل يعلم أن موازنة عام 2014، كما تمت صياغتها، لا تلبي هذه المتطلبات، فقد تم وضعها في ظروف تختلف عن الظروف الحالية. والكل يعلم أيضا، أن إدارة الملفين المالي والاقتصادي في العراق لم تكن بالمستوى المطلوب، وكان فيها الكثير من الثغرات والنواقص في جميع المجالات، من حيث الإعداد أو التنفيذ، أو من حيث المتابعة والرقابة والمحاسبة، ما أدى إلى هدر الكثير من الأموال دون أن تكون هناك نتائج ملموسة على أرض الواقع. وليس أدل على ذلك ما ذكره مشروع قانون موازنة 2014 نفسه، إذ بلغت المشاريع غير المنفذة في وقتها المحدد أكثر من 6000 مشروع قيمتها 228 تريليون دينار عراقي، وبلغ حجم السلف المتراكمة 77 تريليون دينار، لم يتم تسويتها، وبلغ حجم السحب على المكشوف أكثر من 10 تريليون دينار، لا يوجد تخصيص لها في الموازنة. وهي نتائج مباشرة لعدم تطبيق الدستور وقانون الإدارة المالية والدين العام، وغياب المتابعة والرقابة والمحاسبة، وغياب المهنية في التعامل مع المال العام، وانتشار الفساد المالي، والفشل في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تنسجم مع حجم الأموال التي دخلت العراق وإمكانياته المالية والبشرية. فلا زال العراق يعاني من البطالة العالية، ووجود نسبة كبيرة من السكان في مستوى خط الفقر، وتحته، وحتى المجاعة والأمية، إضافة إلى المشاكل الأخرى المتعلقة بالسكن والخدمات الأساسية ولاسيما الكهرباء والماء والمجاري وغيرها من الخدمات الأساسية. وكل هذا أدى إلى وجود استياء شعبي واسع، تم استغلاله بشكل كبير من قبل جهات مختلفة، منها معادية وعدوانية متطرفة، مثل (داعش) وأخواتها.

 

 إن المخاطر التي يتعرض لها العراق، والتحديات الناجمة عنها، تتطلب من الجميع موقفا موحدا في مواجهتها، من كل النواحي، السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتطلب تجميع كل القوى العراقية الوطنية، من أجل القضاء عليها. وأمام العراق فرصة مهمة، ناجمة عن انتخاب مجلس النواب الجديد، وإمكانية تشكيل حكومة جديدة، نأمل أن تكون قادرة على مواجهة هذه التحديات. ومن المهام الاقتصادية الأساسية أمام الحكومة الجديدة هو إعداد الموازنة آخذة بنظر الاعتبار المعطيات والتحديات الآنية والمستقبلية التي يواجهها العراق. ويتطلب ذلك، قبل كل شيء العمل على ما يلي:

 

أولا: تطبيق بنود الدستور المتعلقة بالموازنة، وتطبيق قانون الإدارة المالية والدين العام.

 

ثانيا: معرفة الإمكانيات المالية المتوفرة بشكل واقعي. وهذا يعني العمل على تقديم كشف بالتدفق النقدي للسنوات السابقة، لكل الأموال التي دخلت العراق، والأموال التي تم صرفها، والرصيد المتوفر، والأموال التي من المنتظر الحصول عليها.

 

ثالثا: تسوية كل السلف التي لم تتم تسويتها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية المبالغ المسحوبة على المكشوف خارج إطار الموازنة.

 

إن تحقيق ذلك يعطينا الموقف الحقيقي الذي يقف عليه العراق من الناحية المالية، وبذلك نستطيع أن نحدد الإمكانيات المالية المتوفرة، وبالتالي تحديد أبواب الصرف وفقا لمتطلبات المرحلة الحالية.

 

إن الظروف الاستثنائية التي يمر بها العراق تتطلب إجراءات استثنائية، سياسية ومالية واقتصادية. ومن هذه الإجراءات التي نقترحها:

 

أولا: تقليص النفقات التشغيلية للموازنة العراقية إلى أقصى درجة ممكنة. وعلى الجميع تحمل أعباء الوضع الجديد، وخصوصا أصحاب الرواتب العالية. فاقتطاع جزء مهم من هذه الرواتب لن يؤثر في مستوى معيشة هذه الفئة، وخصوصا أصحاب الدرجات الخاصة، من أجل تحويلها إلى مساعدة شعبنا من المهجرين والمتضررين، واستخدام ما يفيض منها لمواجهة الجهد العسكري والأمني.

 

ثانيا: إسناد الجهد العسكري والأمني بكل الإمكانيات المالية المتوفرة، مع مراعاة التحديات الناجمة عن هذا الوضع الذي يتطلب الاهتمام بالمهجرين وعائلات الشهداء، والجرحى والمتضررين.

 

ثالثا: جرد جميع المشاريع التي لم يتم إنجازها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية الموقف منها. وعدم إطلاق أي أموال دون التأكد من المشروع ومصداقية العقود.

 

رابعا: تخصيص مبالغ كافية لمساندة وتنمية القطاعات الإنتاجية في القطاعين العام والخاص، من أجل حل المشاكل التي تعاني منها هذه القطاعات، والقضاء على جزء كبير من المشاكل التي كانت سببا مهما في الوصول إلى هذا الوضع المأساوي، ومن أجل الحفاظ على الاحتياطي السيادي للبنك المركزي العراقي وتنميته.

 

خامسا: إصلاح النظام المصرفي بما يتلاءم مع المرحلة الحالية.

 

إن هذه المقترحات المالية والاقتصادية لن تكون كافية ما لم يصاحبها جهد سياسي وعسكري لحل التحديات  التي تواجه العراق، حاليا ومستقبلا.   

 

* د. ماجد الصوري: خبير مالي عراقي

إقرأ أيضا