النقد غير الموضوعي سمة ثقافية

شعرت أول الأمر، وأنا أقرأ سيرة شاعر يسمى \”الأقيشر\” في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة، أنني أمام شاعر مختص بهجاء الأمهات في تخصص نادر الوجود في الشعر العربي.

 

فالشاعر القديم يهجو خصمه بما يوجعه، من ذلك الشرف الذي يُحصر عادة بنساء الخصم دون أي شيء آخر. أما أن يكون الشاعر مختصا بإيجاد الأسماء لأم الآخر، فهو شيء فاجأني به الأقيشر.. الذي تقول ترجمته أن اسمه المغيرة بن الأسود، والأقيشر لقب له جاء من تقشر جلده فكان يكره أن يسمى به. 

 

ومن هنا جاء أحد المواقف الذي يبدو إنسانيا وتافها لا يهتم به الشعر العربي، ولا الناقد ولا يذكره لشاعر إلا إذا كان يريد به إساءة له من نوع ما. ففي الواقع يغضب الإنسان إذا ناداه أحد بصفة هي مرض، كما حصل للأقيشر الذي نظر إلى من دعاه بهذه الصفة غاضبا،وقال:

أتدعوني الأقيشر ذلك اسمي     وأدعوك ابن مطفئة السراج

تناجي خدنها(أي عشيقها) بالليل سرا ورب الناس يعلم ما تناجي

فسمي الرجل (كما يقول راوي الخبر الوارد في الشعر والشعراء لابن قتيبة 2/463) ابن مطفئة السراج وولده ينسبون إلى ذلك إلى اليوم.

 

وحالة الغضب البسيط والواقعي الذي لم يُؤْلف في الشعر وفي الهجاء تتكرر ذاتها في واقعة أخرى تحدث للأقيشر.

 

وتبدأ الواقعة بأن يهجو الأقيشر شخصا ينتسب إلى قبيلة جرير، فيغضب جرير ويتوعد قبيلة الأقيشر بهجائهم، فيخافون لسان جرير فيأخذون شاعرهم ويضربونه. ولكنّ جريرا يريد أن يطمئن إلى أن الأقيشر لن يعود إلى هجاء قبيلته، فيرسل إليه شخصا من عنده يختبره، يقول له: إني جئت لأهجو قومك وتهجو قومي. فيقول له الأقيشر: ممن أنت؟ فيقول: من تميم. فيقول الأقيشر:

لا أسدا أسبّ ولا تميـــــما         وكيف يحل سبّ الأكرمينا

ولكن التقارض حل بينــي        وبينك يا ابن مضرطة العجينا

ويريد أن أمه خادم تعجن للناس فيخرج عند عجنها العجين صوت منه.

والمهم أن الرجل المسكين سمي منذ ذلك اليوم ابن مضرطة العجين (السابق، 2/464-465).

 

لا شك في أن هذا الشاعر يدافع عن نفسه بطريقة مبتكرة قد لا تكون بعيدة على الواقع، ولكنها غريبة على الشعر والشاعر الذي لا يتجه إلى أشخاص عاديين وغير معروفين يهجوهم ويضيع وقته في هجائهم. بل هو يقصد المعروف من الشعراء وينتظر أن يتحول الهجاء إلى معركة كلامية ينتصر هو فيها حتى يُذكر بين الشعراء بالغلبة والفحولة، وإلا فهو لا يتعب نفسه، أو ينزل بها إلى غير المعروف.

 

وتروى في هذا الجانب قصص كثيرة منها ما يرد في كتاب الشعر والشعراء نفسه 2/601 عن شاعر يسمى البردخت، جاء إلى جرير فقال له: هاجني فقال له: ومن أنت؟ فقال البردخت. قال: وما البردخت؟ قال: الفارغ بالفارسية. فقال له جرير: ما كنت لأشغل نفسي بفراغك.

 

وعن تفسير اهتمام ابن قتيبة بشذوذ الأقيشر عن تلك القاعدة (أعني هجاء المعروفين وقهرهم لإثبات قوة الشاعر الكلامية) فإنه يرجع إلى الناقد نفسه، أي إلى ابن قتيبة الذي يحاول في الكتاب إعطاء صورة أخلاقية عن الشعراء أكثر منها نقدية.

 

فهو فقيه أجمع من ترجم له مثل ابن النديم (في الفهرست) والخطيب البغدادي (في تاريخ بغداد) وابن الجوزي (في المنتظم) وابن خلكان (في وفيات الاعيان) على أنه ثقة وصادق وديِّن وفاضل. وكل ذلك يجعله يتحرى الجانب الأخلاقي الموافق للدين وللعقيدة فيما يروي وفي أحكامه سواء كان ما يرويه حديثا أم شعرا. ويضع للنقد دورا أخلاقيا أكبر من دوره النصي المعروف، ويُلزم نفسه به في ما يعده صيانة للعقيدة والمجتمع.

 

وهو ما يجده القارئ للشعر والشعراء. فابن قتيبة يحاول فيه أن يصنف الشعراء إلى أفاضل وإلى أرذال انطلاقا من موقف أخلاقي منهم. ويأتي بعد ذلك لانتقاء الشعر أو الحوادث التي تأكد حكمه الأخلاقي على قلتها، ويهمل ما عداها من الجيد أو الذي يشير إلى جوانب جيدة عند الشاعر.

 

والأمثلة كثيرة على ذلك من أبرزها مثال الفرزدق وجرير وما بينهما من اختلاف كبير، في النسب والحسب والتصور والسلوك والدين، يساعدهما في تبادل الهجاء. والأقرب فيهما إلى السلوك القويم والقول القويم هو جرير. والأبعد هو الفرزدق. وقد تكون هذه مجرد أدوار تقوم عليها اللعبة التي يلعبانها فيما يسمى النقائض.

 

ولكن ابن قتيبة المتشدد يحمل على الفرزدق فيبذل كل ما يستطيع في رسم صورة وافية لرجل رديء الصفات، محتقَر، تبدأ بسرقته شعر غيره علنا، فهو إذا سمع بالشعر الجيد هدد صاحبه وأخذه لنفسه، ولا تنتهي بتعرضه لنساء القبائل الأخرى وشكواهن منه، وجبنه، فهو حين يريد منه الخليفة أن يقتل أحد أسرى الروم في مجلسه يعتذر، ثم حين يجبره تضعف يده فلا ينجح في قطع رقبة الأسير.

 

وهو عِيّ أي لا يجيد الرد على من يضيّق عليه الكلام، وذلك عيب كبير لدى العرب. فحين يقول مفتخرا لأحد الشعراء الناشئين: أيسرك أني أبوك؟ يقول له الصبي: بل يسرني أنك أمي.. يستحي ويعجز عن إجابته.

 

وهو، وذلك أخطر شيء في نظر ابن قتيبة، ومن بعده، بلا شك، القارئ التقليدي لحياة الشاعر، كافر، فحين كان يُحتضر طلب منه الحاضرون وألحوا عليه أن يذكر الله، رفض، وحين قامت جاريته، بذلك حرمها مما قدره لها من ماله في الوصية.

 

وإذا عدنا إلى الأقيشر، الذي يبدو سفيها ومتسرعا في شعره، باذلا له فيما، وفيمَن لا يستحق، الذي يردعه قومه بالضرب إذا قال شعرا في أحد، فسنجد أن واقعتي هجاء المجهولين، جزء من صورة سلبية أو حكم أخلاقي مسبق على الشاعر يأتي من خارج شعره أصلا، وإن كان الناقد يجد في شعره ما يؤكده كالمثالين السابقين في سب الأمهات.

 

وهذه الصورة السلبية تُعزز بحوادث من حياته تدل على ضعف دينه وعلى ضعف أخلاقه. فهو \”صاحب شراب وحين أخذه الأعوان (مساعدو صاحب الشرطة) بالكوفة وقالوا: شارب خمر. قال: لست بشارب خمر ولكني أكلت سفرجلا\” السابق 2/465. 

 

ستنتظم حلقات سيرة الشاعر التي يتطوع فقيه لتأليفها على حكم مسبق بأن الشاعر إما جيد كجرير عفيف ومتدين، أو غير جيد كالفرزدق فاسد وكافر. وتأتي الحوادث والأشعار لتبرهن على الحكم وتوسّع الصورة وتضخمها لتكون مانعة للقرّاء من تقدير الشاعر أوالتأثر بشعره أو احترامه. وكل ذلك لخلق أنموذج إنساني وأدبي طيّع ومنسجم مع الصورة الدينية والخلقية النمطية المعتادة. ولنفي كل ما عداها.

إقرأ أيضا