اليوم العالمي للترجمة.. كيف فقد العراق أهم حراك ثقافي؟

منذ صغره يهوى القراءة والبحث، لكن شغفه بعالم الحيوان وولعه بالكواكب والسماء، ورغبته بمعرفة أسرار…

منذ صغره يهوى القراءة والبحث، لكن شغفه بعالم الحيوان وولعه بالكواكب والسماء، ورغبته بمعرفة أسرار الكون، دفعه لقراءة هذا النوع من المعرفة، لكن مصادرها بالإنكليزية هي ما حفزه لإتقان هذه اللغة.

قرأ المجتبى الوائلي، وهو مترجم وإعلامي، هذه الحقول باللغة الإنكليزية حتى انتهى مترجما لأكثر من عمل، أبرزها “الكون داخلنا” لـ”نيل شوبين” العالم الإحيائي الأمريكي، وهو كتاب عن استكشاف التاريخ المشترك للصخور والكواكب والبشر.

ويرى خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن الترجمة عمل شيق يحبه ويحب الحديث عنه، إذ يقول إن “ذوقي بالقراءة والبحث، وجهني إلى الكتب العلمية وأسرار الكواكب والسماء، وهذا النوع من العلوم”.

ويصادف في الثلاثين من أيلول سبتمبر (غدا) اليوم العالمي للترجمة، وهو مناسبة يحتفل بها كل عام، ويرعاها الاتحاد الدولي للمترجمين والذي أُسس في عام 1953، وفي العام 1991، أطلق الاتحاد فكرة الاحتفاء باليوم العالمي للترجمة كيوم معترف به رسميا، وذلك لإظهار تعاضد المترجمين في جميع أنحاء العالم ولتعزيز مهنة الترجمة في مختلف الدول، وتعتبر الاحتفالية فرصة لعرض مزايا هذه المهنة التي تزداد أهمية يوما بعد آخر في عصر العولمة.

لكن الوائلي، يشدد على أن “واقع الترجمة في العراق يعاني من مشاكل عديدة ومركّبة، وعلى رأسها تردي الأجور، وربما يرجع هذا إلى العزوف عن القراءة، وهذا العزوف هو بسبب سوء تسويق دور النشر واختياراتهم للأعمال المترجمة، فالموضوع يصبح أشبه بالأفعى اللي تأكل ذيلها”، بحسب وصفه.

ويلوم أيضاً “طبقة النخبة من المثقفين، أو من يصدرون أنفسهم بهذا المسمى لأنهم مساهمون سلبيون بتراجع حركة الترجمة في العراق”، لافتا إلى أن “القراءة ليست فعلا ثقافياً فحسب، وإنما ترفيهي بالمقام الأول، وتصدير الكتاب على أنه مصدر للثقافة فقط سيحصره بيد مجموعة صغيرة من الناس، بينما الغالبية غير المهتمة بالشأن الثقافي ستفضل استهلاك مواد أخرى مثل الأفلام والألعاب الإلكترونية وغيرها لشغل أوقات فراغها”.

وتراجع واقع الترجمة في العراق بسبب الظروف السياسية للبلاد، وأهمل هذا القطاع سواء على صعيد المؤسسات الثقافية في البلاد أو المؤسسات الأكاديمية التي خرجت الآلاف من دارسي الترجمة، لكنهم لم يستطيعوا ممارسة هذه المهنة وتعريب الأعمال الأجنبية أو نقل الأعمال العراقية إلى لغات أخرى.

وعن هذا يقول الوائلي “رغم بعدي عن الروافد الأكاديمية للترجمة، لكن لم أتعرف على مترجمين من خريجي كليات الترجمة فاعلين بترجمة الكتب اليوم، ربما الخلل بمعارفي، لكن يندر أن أصادف دارسي الترجمة في العراق قد مارسوا هذه المهنة”.

ووفقاً للمترجم الشاب، ينقل أغلب المترجمين العراقيين النصوص والأعمال من اللغة الإنكليزية، لكنه لم ينكر وجود “مترجمين للغات أخرى غير الإنكليزية لكنهم قلة، والسبب أن الإنكليزية هي اللغة الأكثر شيوعا في العراق بسبب تواجدها بالمناهج الدراسية عكس غيرها، وربما جاء هذا تأثرا بالاستعمار الإنكليزي في بداية القرن الماضي”.

ويجد أن “الإنكليزية أيضا لغة تم تسويقها بشكل واسع خلال العقود الماضية عبر الأغاني والأفلام وبقية المنتجات، بالتالي فإن فرص تعلمها في العراق أكبر، وهذا ما يفرز مترجمين كثرا لها عكس الفرنسية والروسية”.

من جانبه، يشير رئيس اتحاد الأدباء والكتاب السابق الناقد فاضل ثامر، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إلى أن “عملية الترجمة لم تعد عملية نقل تقليدي من لغة المصدر إلى لغة أخرى، وإنما أصبحت بمثابة نص جديد، وهناك من يعد الترجمة بمثابة لغة ثالثة وتذهب الترجمة إلى أكثر من ذلك عندما تمنح المترجم الحرية في أن يتصرف في النص لكي يخلق نصا جديدا”.

ويجد ثامر أن “حركة الترجمة في العراق ذات مستوى متوسط لأنها تفتقد الدعم الحقيقي من لدن الجهات الرسمية على الرغم من أننا نمتلك في العراق دار المأمون المتخصصة في الترجمة، غير أنها لم تستطع أن تحقق علاقات وثيقة مع المترجمين العراقيين، ولم ترضخ لضوابط تشجع الترجمة بشكل عام، ولهذا نجد أن الكثير من التلكؤ يحدث”.

ويضيف أن “بعض المترجمين لا يلجؤون إلى محاولة البحث عن دراسات أو كتب أو روايات ومؤلفات جديدة، إنما يعتمدون على المصادفة، وأحيانا على ما يكلفون به من هذه الجهة أو تلك”.

ويتابع ثامر، أن “الطريقة الأفضل هي أن تلجأ الدوائر الرسمية في وزارة الثقافة إلى اختيار نماذج من الكتب الروائية والشعرية والنقدية والدراسات وتقدمها للمترجمين فربما يحقق هذا دافعية أكثر، ومن الضروري أيضا رفع نسبة الأجور التي تقدم للمترجمين لكي يستطيعوا أن يعوضوا عن الأيام التي استغرقوها في عملية الترجمة والكتابة والطباعة وهي عملية ليست السهلة”.

ويكمل: “نستطيع أن نستفيد مما تقدمه مجلة الثقافة الأجنبية، ونتمنى أن يجرى الاهتمام بما يسمى النقد الترجمي لكي نستطيع أن نصوب الكثير من الأخطاء التقليدية ونعمل على ضبط المصطلح الأدبي كي لا يكون المترجم بمنأى عما هو سائد في الثقافة العربية”.

وبشأن ندرة المترجمين عن اللغات غير الإنكليزية، يخلص إلى أنه “للأسف تقريبا أكثر المترجمين لترجمة النصوص باللغة الإنكليزية، لدينا عدد قليل من المترجمين قليل عن الفرنسية والروسية ممن درسوا في روسيا والاتحاد السوفيتي سابقا، وبشكل عام حتى هذا الملف يحتاج إلى التنسيق مع كليات اللغات التي تمتلك أقساما متنوعة، ومعظم جامعاتنا تخصصاتها المركزية تعتمد اللغة الثانية هي الإنكليزية”.

ويؤكد أن “الواقع الترجمي يحتاج إلى مزيد من التنوع، وكذلك لا يمكن أن تخرج الجامعات مترجمين، إذ ليس من كل يتخرج من دراسة لغة أخرى يصبح مترجما، إنما هناك اشتراطات ومواصفات خاصة في المترجم”.

وعلى الرغم من ظهور الترجمة منذ عصور أقدم، لكن بلغ اهتمام العرب بالترجمة أوجه في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد وولده المأمون الذي أغدق على المترجمين، لقاء ما يقومون بترجمته من كتب غير العرب إلى اللغة العربية، وكان أشهر المترجمين في هذه الفترة حنين بن اسحق، وابنه اسحق بن حنين، وثابت ابن قرة، و يوحنا بن البطريق، وابن الحمصي، و أبو بشر متى بن يونس، و يحيى بن عدي، وابن المقفع، وقد اشتهروا بإتقانهم للغتين العربية والسريانية، وخبرتهم بالعلوم والمجالات التي كانوا يترجمون فيها، فضلاً عن أن بعضهم قد أقام فترة في البلاد التي تتحدث اللغة المترجم منها، فقد ثبت أن حنين ابن إسحاق قد سافر إلى اليونان، وعاش فيها ليتمكن من إتقان اللغة اليونانية.

وجدير بالذكر أن حركة الترجمة خلال العصر العباسي لم تكن قاصرة على النقل إلى اللغة العربية، بل تم نقل الكثير من المؤلفات العربية إلى اللغات الأجنبية.

إقرأ أيضا