امرأة ومجتمع من طابقين

هل تصنع لنا الديانات السعادة كما يتوهم القائمون عليها؟
يظنون أنهم يمتلكون الحلول والرؤى والواضحة بشان هدايتنا إلى ما ينبغي أن ننتهي إليه من اليقين والاطمئنان والنعيم.
يعتقدون أن بأيديهم الإجابات الكافية عن كل أسئلتنا المحيرة المتصلة بوجودنا الآني على هذه الأرض ولما بعده حين نتحول فجأة إلى العدم.
إنهم لا ينظرون إلى تمزقنا بين مختلف المشاعر والرغبات إلا على أنه تمزق بين ثنائية واضحة المعالم وممكن بسهولة الفصل بينها والسير باتجاه أحد قطبيها للهلاك أو باتجاه الآخر للنجاة. إنها ثنائية الجسد والروح وما يعادلها من شهوة وإيمان وجحيم ونعيم.

ذلك بالطبع ما تعبر عه رواية \”امرأة من طابقين\” للسورية هيفاء بيطار.
فنازك الفتاة الجميلة الطموحة الكاتبة الذكية التي تمتلك إحساسا عاليا بالحياة وبالناس وقدرة على تمييز الصدق في المشاعر والكلام واحترامه.
نازك المسيحية تواجه أشكالا من الغش والخداع والزيف الذي يزدهر في مجتمعاتنا. أشكالا تبدأ بغش المثقفين والكتاب الكبار لأنفسهم، فهم يعيشون بين الخداع والنفاق والانهماك في التوافه. إنهم يضعفون أمامها، وهي المرأة الجميلة، ولا يعودون يرونها إلا جسدا، فيكيلون لها المجاملات، ولا ينتبهون إلى عقلها وإلى كتابتها. فهي وخلافا لشعاراتهم المعلنة، امرأة مخلوقة للذة.

ونازك التي تقترب من عالم الكتّاب المشهورين والمثقفين تجد أنهم مجرد أصنام وأوهام شأنهم شأن الأصنام والأوهام الأخرى القادمة من حقل الدين.
الدين الذي يسكن كهنته وسدنته عداءٌ غريبٌ للجسد، ورغبة في قمعه. ابتداء من حبيبها الأول الذي خاف من الحب واعتبره عداوة للمسيح. وانتهاء بالأب الذي لجأت إليه ليساعدها في التخلص من خطيئتها التي هي الحب (فليس غير الحب خطيئة في نظر الأديان على اختلافها) ولكن أي حب؟ إنه حب صفوان المسلم!
فأية خطيئة أبعد من الحب في نظر أية ديانة، غير حب رجل من ديانة أخرى!

لقد كان الكاهن يغالب حبه للفتاة التي جاءت تطلب منه النصيحة، ويدفعه بقسوة، بينما تشعر هي برغبة جسده في التعبير عن ذلك الحب. فهو في احتضانه لها يضغط عليها بطريقة ما، وفي وضع يده على رأسها في الصلاة لها تجد ثقلا غريبا ليده يكاد يلحقها بالأرض. وهو يتعذب من انجذابه الجسدي إليها ويرجوها في الأخير أن تصلي له، فهو خاطئ أيضا.
ومن منا لا يكون خاطئا بهذا المنطق!
كلنا خاطئون. فكلنا نشعر بالحب وبالانجذاب وبالرغبة في الآخر وبلهيب تلك الرغبة في الجسد وفي التفكير.

ولكن خطيئة نازك أبعد بكثير في نظر الأب وديانته، وأية ديانة، من خطيئة المثقف المزيف أو الأديب المأزوم نفسيا والمهووس جنسيا. وأبعد من كل الخطايا التي تزدهر في مجتمعاتنا. إنها خطيئة حب الآخر المختلف دينيا. خطيئة حب صفوان الذي لم يعد اسمه صفوان، وإنما المسلم في نظر نازك التي وقعت تحت تأثير الأب الذي عد حب المسلم خطيئة الخطايا. فهو المختلف كليا في كل شيء الذي لا يملك التفاهم معه أو التجاور. أما الحب والتلاقي الجسدي فإنه الأصعب.

الجنس عند المسيحيين قربان وعند المسلمين نهم. هكذا حدّثها الأب، وقال لها أيضا: الجنس بين المرأة والرجل المسيحيين حضور إلهي. أما عند المسلمين فهو مجرد متعة.

ونازك تتقبل تأثير الأب عليها. ولكنها لا تستطيع أن تفهم كل هذا الـ(لا حب) للآخر. ولماذا يُسخر الدين كل إمكاناته له! ولماذا يضحي بسرور الحب ومتع الجسد من أجل أن يكره الآخر والآخرين عموما!
 
فالأب يطلب منها أن تواصل الطقوس الدينية إلى أن تتخلص من خطيئتها. وحين تحاول، تشعر بالمهانة. فما معنى أن تكرر بذهن مشوش صلاة الخاطئ! وما معنى أن تسجد ويلامس جبينها الأرض، وأن ترتفع مؤخرتها فوق مستوى رأسها! آلمها هذا الوضع الذي أشعرها بالمهانة. انتفضت واقفة، وهي تحس بسخط على الكاهن.

هل يحتاج الحب إلى كل هذا الردع للروح والعقل والجسد والإيذاء للآخر؟ ولماذا كل تلك العداوة التي لن تنهي إلى غير المزيد من المهانة للإنسان! فنازك تنتهي بالقبول بزواج يقرره أهلها وبالطلاق والضياع.

ولماذا كل ذلك الكره الذي لن ينتهي إلا إلى تدمير المجتمع وتمزيقه بالموت والقتل، في إحالة من إحالات الرواية إلى المجتمع الذي يمزقه التشدد الديني ويسير به إلى مزيد من التعصب والتنافر.

إقرأ أيضا