بعد 21 عاما على سقوط «صدام».. ما مصير الديمقراطية في العراق؟

تمر اليوم الذكرى 21 على سقوط النظام السابق ودخول القوات الأمريكية إلى العاصمة بغداد في التاسع من نيسان أبريل 2003 بعد قصف عنيف ومعارك دامت ثلاثة أسابيع، لتعلن الولايات المتحدة السيطرة على العاصمة والإطاحة برئيس النظام آنذاك صدام حسين، لتبدأ دوامة من الفوضى والنهب والدمار في البلاد.

مراقبون يعتبرون أن نظام “صدام حسين” دكتاتوري ودموي وتسبب بدمار العراق بسبب الحروب التي خاضها والعقوبات الاقتصادية التي فرضت على البلاد بسبب سياساته، لكن بالمقابل يرى آخرون أن الحكومات المتعاقبة وعلى الرغم من أنها جاءت للحكم عبر صناديق الاقتراع، إلا أنها لا تحكم بنظام ديمقراطي فعلي.

سياسيا

يقول المحلل السياسي نزار حيدر، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إنه “ما بعد العام 2003 كان لابد من أن يتغير الوضع في العراق بعد أن بلغت معاناة العراقيين ذروتها، وكان النظام البائد يعيش في عزلة على كل المستويات الداخلية والإقليمية والدولية”.

ويشير إلى أنه “كان من المؤمل أن تتم عملية التغيير من الداخل بشكل أو بآخر، إلا أن أسباباً عدة حالت دون ذلك فجاء التغيير على ظهر الدبابة الإنغلوأمريكية ومن خلال عملية غزو شاملة انتهت بإسقاط نظام صدام حسين وإقامة نظام سياسي جديد بكل معنى الكلمة بعد أن تم تفكيك الدولة ومؤسساتها”.

ويلفت إلى أنه “كان من المؤمل أن يثبت البديل الجديد جدارته بالإنجاز وتحقيق النجاحات على مختلف الأصعدة، خاصة على مستوى بناء الدولة ومؤسساتها من خلال الدستور والقانون والقضاء العادل والسلطة الرابعة ومنظمات المجتمع المدني، على اعتبار أن الدولة تتشكل من كل هذه العناوين وغيرها، إلا أن ما يؤسف له حقا هو أن البديل فشل فشلا ذريعا في إنجاز بناء الدولة، إلى جانب فشله في انتزاع السيادة الوطنية التي ما زالت تعاني الشلل سواء على مستوى الدولة أو الاقتصاد أو حتى الأمن والتدخلات الخارجية”.

ويؤكد حيدر أن “البديل فشل في بناء نظام ديمقراطي حقيقي كما هو منصوص عليه في الدستور الذي تم تبنيه من قبل العراقيين بالاستفتاء الشعبي عام 2005، وذلك نلاحظ كل هذه الأزمات المزمنة والمستدامة التي تعصف بالعملية السياسية منذ التغيير وحتى الآن من دون أن تنجح القوى السياسية في إيجاد الحلول الحقيقية والثابتة لتجاوزها وبالتالي ليستقر البلد ويبدأ عملية النهوض الحضاري الحقيقي وليس الفيسبوكي”.

ويعتقد المحلل السياسي أن “القوى السياسية البديلة لم تكن في يوم من الأيام ديمقراطية وإنما هي قوى سياسية شمولية تعتمد نظرية الرمز الأوحد والقائد الضرورة، ومما لا شك فيه فإن مثل هذا البديل لا يمكن أن ننتظر منه أن يبني لنا نظاما ديمقراطيا على أنقاض نظام بوليسي شمولي”.

وقد تعرضت بغداد وحدها في أول يوم من أيام الحرب، الى 1000 ضربة جوية بصواريخ “كروز”، في حرب غير مسبوقة حملت اسم “الصدمة والرعب”، وطالت أغلب المنشآت الحيوية والرسمية، التي اعتقد في حينها أن النظام السابق استخدمها لخزن أسلحة محرمة وأعتدة.

واشنطن، كلفت جاي غارنر، وهو جنرال أمريكي متقاعد بإدارة العراق، تسلم مهامه في 21 نيسان أبريل 2003، ليكون أول حاكم مدني، ومن ثم تم تعيين بول بريمر كخلف له في أيار مايو من ذات العام.

وكان أول ما يمكن تسميته إدارة سياسية عراقية تحت مسمى “مجلس الحكم الانتقالي، تشكل في 13 تموز يوليو 2003، بقرار من الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، وقضى القرار بتعيين 25 عضوا في المجلس مثلوا معظم الطوائف والاتجاهات السياسية والدينية والعرقية الموجودة في العراق، وقامت سلطة الائتلاف بتحديد مهام ومسؤوليات هذا المجلس، والتي من بينها تعيين الوزراء المؤقتين، والعمل بالتنسيق مع سلطة الائتلاف على رسم السياسات العامة للبلاد، وتحديد الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى وضع الإجراءات اللازمة لإنشاء دستور للعراق الجديد.

يشار إلى أن بريمر، بادر إلى حل الأجهزة الأجهزة والاستخبارية التي كانت أداة قمعية لذلك النظام، كما أصدر أمرا بحل الجيش السابق، وهو ما عرضه للعديد من الانتقادات من جهات ومختصين في الإدارة الأمريكية في حينها، وحذروا من أن ذلك سيؤدي إلى ردود أفعال خطيرة ضد القوات الأمريكية.

من جانبه، يبين المحلل السياسي علي فضل الله، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “العراق يعيش في ظل نظام ديمقراطي وإن كان ليس بصورته الحقيقية بنسبة 100 بالمئة، حيث يوجد هناك بعض التشوهات والتجاعيد بسبب الإستراتيجيات الأمريكية التي جاءت بعد هذا التاريخ”.

ويضيف المحلل المقرب من الإطار التنسيقي، أن “الولايات المتحدة خلقت فوضى وأرادت صنع نظام سياسي على مقاس ومعيار المصالح التي تخدمها على حساب الشعب العراقي وخيراته”.

ويلفت إلى أن “المعادلة اليوم في العراق بدأت تمسك بزمام الأمور وبدأنا نعيش حالة من الاستقرار والتي ستنتج قطعا ديمقراطية مقبولة ومستقرة يسود فيها احترام الأنظمة والتعليمات التي لا تصادر حقوق الآخر”.

ويتابع فضل الله: “العراق اليوم يعيش بدولة مؤسسات وعلى الرغم من أنها لم تصل إلى مرحلة التعافي الكامل لكننا نستطيع أن نصفها بأنها ذلك المريض الذي يتماثل للشفاء، فخلال السنوات المقبلة سيكون العراق نموذجا يحتذى به في الشرق الأوسط من خلال تعاون الفرقاء السياسيين وتعاون الشعب مع الحكومة العراقية”.

يذكر أنه في التاسع من نيسان أبريل 2003، دخلت القوات الأمريكية “مدينة صدام”، وهي مدينة الصدر حاليا، شرقي العاصمة بغداد، كما وصلت الدبابات والمركبات المدرعة الأمريكية إلى وسط العاصمة في ساحة الفردوس أمام فندق فلسطين، وتم اقتلاع تمثال ضخم من البرونز لصدام حسين من قاعدته بواسطة عربة مدرعة أمريكية قبل أن يدوسه بعض العراقيين الذين حضروا المشهد.

أمنيا

في هذا الملف، يؤكد الباحث في الشأن العسكري والإستراتيجي عماد علو، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “احتلال بغداد في التاسع من نيسان عام 2003 أعقبته إستراتيجية اعتمدتها سلطات الاحتلال الأمريكي وهي نشر الفوضى في المجتمع العراقي”.

ويوضح علو، أن “الاحتلال عمل على فتح المؤسسات الحكومية والعسكرية أمام المدنيين مما أدى إلى تسرب كميات وأعداد كبيرة من مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة بل وحتى الثقيلة، الأمر الذي انعكس على السلم الأهلي والمجتمعي بعد العام 2003”.

ويشير إلى أنه “بعد العام 2003 اندلعت حرب طائفية في العراق لاسيما بعد عملية تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، بالإضافة إلى تفاقم ظاهرة السلاح غير المسيطر عليه أو المنفلت نتيجة سياسة الاحتلال الأمريكي الذي فتح الحدود بشكل واسع”.

ويبين أنه “بسبب دخول الأمريكان وانفلات الوضع الأمني أصبح العراق أمام مهمة صعبة في إعادة ضبط الأمن والاستقرار في البلد، الأمر الذي اضطره إلى تدخل قوات التحالف الدولي من أجل السيطرة على الأمن”.

ويؤكد علو أن “العراق بسبب ضعفه الأمني بعد السقوط تمكنت عصابات داعش الإرهابية من فرض سيطرتها على خمس محافظات عراقية، ولذلك مسألة الأمن والاستقرار برزت بشكل كبير بعدم قدرة الحكومات المتعاقبة وأجهزتها الأمنية على معالجة ظاهرة السلاح المنفلت في المجتمع العراقي والذي أدى إلى ظواهر عديدة منها تفاقم الجريمة المنظمة والجرائم الجنائية والنزاعات المسلحة بين العشائر”.

ويختم بالقول إن “على الحكومات المتعاقبة بعد 2003 العمل بصورة جدية من أجل إصلاح دمار 20 عاما من بعد الاحتلال الأمريكي، والإستراتيجية التي أطلقها القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني من أجل إصلاح القطاع الأمني العراقي مهمة جدا لتعزيز قدرات العراق العسكرية والتسليحية لمواجهة أي تحديات مستقبلية”.

يشار إلى أن العشائر في الجنوب، تمتلك اليوم أسلحة متوسطة وثقيلة وغالبا ما تستخدم هذا السلاح في النزاعات فيما بينها، وقد كشف مصدر أمني، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، سابقا، أن شرطة ذي قار ضبطت سقوط صاروخي كاتيوشا في 22 تشرين الثاني نوفمبر 2023 عيار 106 ملم عند تلة ترابية قرب قرية الهصاصرة في قضاء سيد دخيل شرق المحافظة دون أن ينفجرا.

اقتصاديا

أما الخبير المالي والاقتصادي صفوان قصي، فيرى خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “عملية التغيير التي صاحبت انتقال العراق بعد العام 2003 من النظام الديكتاتوري إلى الديمقراطي انعكست بالإيجاب على شكل الاقتصاد العراقي”.

ويشرح أن “الاقتصاد العراقي في الوقت الحالي انتقل من مرحلة السيطرة الحكومية على جميع موارد الدولة وتوجيهها باتجاه خدمة الأهداف السياسية، إلى منطقة التنويع الاقتصادي وتنمية قدرة القطاع الخاص في الموارد، وتدريجيا العراق بدأ يتحول من خلال إكمال ميناء الفاو وطريق التنمية إلى منطقة اقتصادية حرة ستساهم الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية في تغيير شكل الاقتصاد العراقي لكي ينتقل إلى قيادة التنمية من خلال القطاع الخاص”.

ويشدد على أنه “من خلال إصلاح النظام المالي والمصرفي والسماح للأموال العراقية والإقليمية والدولية بأن تأخذ دورها في عملية استغلال الموارد المتاحة بعد العام 2003 ابتعد اقتصاد العراق عن كونه اقتصاد مواجهة واقتصاد حربي وإنما أصبح اقتصاد يبحث عن تشغيل الإيادي العاملة”.

ويكمل قصي “النظام الديمقراطي ما يزال في بداياته في العراق، حيث كلما استثمرنا في تأسيس حالة تبادل الأفكار والآراء واختيار الأشخاص بحيادية في هذا النظام سننتج موارد بشرية تستطيع الحفاظ على هذه الثروة وإدارتها بكفاءة عالية”.

يذكر أنه بعد العام 2003 فتحت أبواب العراق على مصراعيها ما أدى إلى إغراق الأسواق المحلية بمختلف البضائع والسلع والمواد الغذائية، وأنتج ذلك كسادا خطيرا في الصناعة المحلية التي كانت تعاني بالأساس خلال عهد النظام السابق بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، وتصاعدت نسب البطالة إلى معدلات كبيرة بسبب تعطل القطاع الخاص والشركات والمصانع الحكومية.

وقد دخل البلد في أزمة اقتصادية، بعد محاولة واشنطن السيطرة على تهريب الدولار، وذلك مطلع العام الماضي، حيث كانت المصارف العراقية الأهلية تعمل على تهريب الدولار لخارج العراق، وصدرت عقوبات بحقها ومنعت من دخول مزاد العملة، ما تسبب بارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي، ما ترك آثارا لغاية اليوم على أسعار البضائع.

اجتماعيا

بدوره، يلفت الباحث التربوي والاجتماعي عباس الجبوري، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إلى أن “احتلال العراق نتج عنه تدمير البنى التحتية بشكل كامل، بما فيها حل الجيش العراقي وإلغاء كثير من المؤسسات الأمنية”.

ويتابع “العراق دخلت عليه الكثير من الظواهر السلبية والخطيرة، وبعد مرور 21 عاما نتمنى أن يكون هناك تطور ملموس يتناسب مع حجم الأموال التي يمتلكها العراق”.

ويختم بالقول، إن “هناك فشل في الصناعة والزراعة إلى جانب الفشل في المؤسسات التربوية والذي يعد أمرا خطيرا على جيل كامل في المستقبل يبدأ من عدم حصوله على تعليم جيد في المدارس الحكومية وصولا إلى تخرجه من الكلية ليصطدم بعدم توفر فرصة عمل له ويصبح عاطلا عن العمل بعد تعب ودراسة لسنوات”.

يشار إلى أن القوات الأمريكية اعتقلت صدام حسين في كانون الأول ديسمبر 2003 قرب تكريت قبل أن يتم إعدامه أواخر العام 2006، بعد محاكمة طويلة وعلنية.

إقليميا

وحول الوضع الإقليمي للعراق، قبل وبعد 2003، يوضح المحلل السياسي الأردني حازم عياد، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “علاقة العراق مع الأردن لا ترتبط بنظام صدام حسين فقط وإنما هي علاقة وطيدة منذ أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عندما كانت تحكم الأسرة الهاشمية العراق”.

ويضيف “العلاقة في فترة معينة شابها نوع من التوتر لكنها عادت واستقرت وتطورت بين البلدين، وهذه التوترات تكررت عند دخول الاحتلال الأمريكي للعراق ودخول منظومة سياسية جديدة على البلاد ذات مسارات مغايرة ومتعددة، حيث أن الأردن تأثرت بشكل أساسي بسبب حالة الاستقرار واللااستقرار التي عانى منها العراق في كل مراحله والتي كانت تؤثر بشكل مباشر على قدرة تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين”.

ويؤكد أنه “عندما تكون أوضاع العراق مستقرة فهذا الأمر يساهم في استقرار الأردن أيضا حيث تتاح للبلدين تعزيز العلاقات والشراكات فيما بينهما على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية، كما أن الأردنيين ينظرون للعراق كعمق جغرافي واقتصادي وعلاقات تاريخية وثقافية مستمرة منذ فترة طويلة ولا يمكن انقطاعها”.

إقرأ أيضا