بيان كانت هنا

قبل الفي عام طبع صياد ايزيدي يده المضرجة بالدماء على كهف من كهوف جبل سنجار، وكتب التاريخ الذي اضاعه من بعد، كتبه بلغة خاصة لم تكن اللغة الكردية، وبعد زمن آخر طبع عامل ايزيدي يده المصبوغة بالفحم جدران ذات الكهف، بلغة كردية، واستمرت الكفوف تطبع على جدران الكهف، وآخرهم بيان الطفلة الايزيدية التي طبعت كفا مضرجة بالدماء قبل ان يجدونها ميتة في ذلك الكهف، كف صغيرة تختلف عن كفوف الصيادين والعمال الايزيديين المطبوعة من قبل، لم تجد سوى الجبل عاصما لها دون امر داعش بالبيع او بجهاد النكاح، هكذا لم يفكر الايزيديون بالحكومة ولم ينتظروا صولات وجولات اميركا القوية، دائما وعلى مر العصور، كان جبل سنجار ملجأهم ضد غزوات الاتراك المتكررة، وضد الابادة التي اتت من العرب المسلمين لعدة مرات.

 

تمددت بيان بقوائمها القصيرة وكأنها تشعر بدفء حضن الجبل الاصم، لم تكن تعتقد ان الجبل اصم، كانت الاعراس تقام على سفوحه، وهو من ينضج مزروعاتهم، حين يناغي الله ان نبتة الفاصولياء تحتاج الى الماء فتسح السماء، هكذا كان يقول الكهنة، ان الجبل يكلمهم في الليل، كانت الامطار تستأذن الجبل قبل هطولها، خوفا من انها تؤثر في المحاصيل الزراعية.

 

عدة مرات رأى الايزيديون النار مشتعلة على قمة سنجار، وشعروا بالدفء، وهم على مسافة منه، كان المشوار طويلا، حروب ابادة، وقوم يقدسون ربهم، موت وفجيعة وبيع في اسواق النخاسة، كان الاجلاف يأتون من الصحراء ليستاقوا الايزيديات سبايا، وحجتهم ان يصبحن مسلمات او يسبين ويصبحن مسلمات، كانت حجة واهنة، فهم ينكحون مالذ وطاب مشركات كما يقولون ومسلمات، اسخر دائما من الاصوات العالمية التي تنادي بنبذ العبودية ولا تدعو الى نبذ مبتدعي هذه العبودية، فلو دققنا وليس زمنا بعيدا بجدة او جدة جدة اوباما، لرأيناها قد سبيت من افريقيا وبيعت في مزاد علني في اميركا، ولو ان مالكها حي حتى الآن او ورثته موجودين، لطالبوا اوباما بالعبودية لهم بحسب الصك المكتوب لديهم، أو ان يصبح عبدا آبقا.

 

ونظام الرق جلب على العرب الويلات فنشأت دول المماليك وغيرها لتسيطر على اصحاب الارض، وتقوم بمعاقبة الخلفاء الذين يدعي المسلمون انهم خلفاء لله على الارض، وكانت بيوتهم تعج بالغواني الجواري والمماليك، شيخ اخرق ينظر لماخور يشرعن له هو، ويدعي ان هذا من عند الله، ملك اليمين يصل الى مئات الجواري. الخوف المتجذر بنفس بيان الايزيدية من السبي والمهانة، جعلها تحتضن سنجار وتنام نومة ابدية، نامت مع ذاكرة تمتد لآلاف السنين، وهي واثقة انها لن تكون جارية لأحد حتى في الحياة الاخرى، وحين يأتي الشبقون يتمنطقون بالرسالات التي تبيح لهم اذلال الشعوب، لم يكن الدين دين الله، انه دين الخلفاء، ولم يكن مسيلمة الكذاب سوى نفر من داعش اراد استحلال كل شيء بدين غير مرهق كما يدعي، حين اباح الخمر والنساء، كانت بيان تعتقد ان هذا الامر سيتكرر، ولذا طبعت كفها الصغير على جدران الكهف، لتتذكر طفلة ايزيدية، في سبي آخر، أن بيان كانت هنا، وانها لجأت الى حضن الجبل، بعد ان يئست من احضان اصحاب القلوب الميتة. نعم بيان كانت هنا، وليسمع القاصي والداني، ولتسمع الاجيال المقبلة، وليقرأ من لم يميز بين كف بيان وكفوف الصيادين القدامى ان بيان وبكل اصرار كانت هنا، سجلت تاريخها بعفوية كبيرة وبرمزية تهبط عندها قصائد الشعراء.

 

* عبد الله السكوتي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا