بين احتفال التونسيين بالدستور وفرح المصريين بعودة المشير

فيما نجح الفرقاء التونسيون بالتوافق على دستور يعد متقدما في منطقة تلتهب بالحركات الدينية المتشددة، واضطر فريق الإسلاميين منهم (حزب النهضة) بعد خلافات حادة شارك فيها الرأي العام بقوة، للقبول بتنازلات قاسية فيما يتعلق بالمواد التي تشير لمرجعية الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع والرضوخ لمطالب القوى الليبرالية بأن لا تمس المواد في دستور الجمهورية الأولى الخاصة بمساواة المرأة بالرجل.. يفرح كثير من المصريين بتنصيب الفريق عبد الفتاح السيسي أمس مشيرا، وبموافقة المجلس العسكري على ترشحه لرئاسة الجمهورية، ومحاولة استنساخ التجربة الناصرية في وقت تغير فيه كل شيء، وسجلت فيه رغبات الإقصاء من كل الأطراف مستويات غير مسبوقة تعد بالمزيد ما لم تتوصل النخب السياسية بمشاركة الرأي العام لحلول دائمة، نأمل أن لا تكون بعيدة لما لهذا البلد الكبير قديما وحديثا من تأثير في تحولات المنطقة كلها..

ولعل نجاح إقرار الدستور المصري الجديد مؤخرا الذي احتوى مواد ضامنة لحريات التعبير مع منع تشكيل الأحزاب على اساس ديني، خطوة إيجابية على طريق الحل الطويل للأزمة، ولكن يضعفه وجود انقسام مجتمعي كبير تدعمه أطراف داخلية وخارجية، وهذا سيبقى مصدر خطر على التجربة مع احتمال الاستبداد العسكري الذي كثيرا ما تغذى على عواطف الشعوب وحاجتها للأمان..

من بين عوامل كثيرة، يبدو أن مجيء قيادات الإخوان المسلمين من المعتقلات إلى الحكم مباشرة، وشعورهم بالظلم التاريخي ومحاولاتهم للتعويض السريع، وعدم قدرتهم على المواءمة بين صلابة أفكار الجماعة والمرونة المفترض أن يتسم بها حزب سياسي (الحرية والعدالة) أدى لضغط الأول على الثاني حتى أفقده ماهيته.. ما جعل الجماعة تخسر في عام حكمها حتى بعض ما كانت تتمتع به في بعض سنوات حكم مبارك.. (أشير هنا سريعا لتشابه مع تجارب بعض الأحزاب الدينية العراقية.. وأخشى من نتائجه).

بالمقابل، ربما سهّل وجود أبرز قيادات حزب النهضة التونسي في فرنسا لسنوات طويلة، ورسوخ العلمانية في البلاد التي استلهمت في قوانينها النموذج الفرنسي، وقوة المجتمع المدني، ووجود رموز سياسية وفكرية لم ترهبها قوة الخصم الإسلاموي، وشكّل اغتيال بعضها عامل تقوية للتوجهات الليبرالية وتعاطف الرأي العام معها ليزيد من تفاعله الملحوظ في حوارات إعادة صياغة الدولة.

كل ذلك سهّل فرص رضوخ الإسلاميين للتعامل مع الفرقاء الآخرين كأنداد خصوصا بعد التجربة الفاشلة للإخوان في مصر، والقبول من ثم بخريطة طريق تتضمن التنازل عن رئاسة الوزراء وتشكيل حكومة جديدة تشاركية بالتزامن مع سريان إقرار الدستور اليوم.

المساران التونسي والمصري تشابها في البدايات واختلفا فيما بعد باختلاف الظروف الموضوعية بينهما، ويبدو أن هاتين التجربتين، المرشحتين لمزيد من التفاعل بالتأكيد، ستمثلان- لدول أخرى دخلت في مسار التغيير- نموذجين عن شكل التحولات الممكنة في المنطقة وطريقة التعاطي بين الكتل السياسية المتصارعة، ربما تستفيد منها دول دخلت في متاهات لا تعرف نهاياتها.

* كاتب وصحفي عراقي

إقرأ أيضا