بين اليعقوبي والوقف السني: البعض يعرف الحل لكنه يحوم حوله!

بعض رجال الدين والمؤسسات الدينية يعرفون الحل الصحيح والناجع للوضع المأساوي الذي يتخبط فيه العراق وشعبه منذ سنة 2003. وهذا الحل ليس سحرياً أو سريا فقد بُحَّت أصوات بعض الجهات والكتاب والنشطاء السياسيين من طرحه والدفاع عنه والترويج له ولكن دون جدوى.

المرجع اليعقوبي قال أمس كلاما مهما وخطيرا يتناقض مع كل ما قاله سابقا وحتى مع كونه مرجعا دينيا حين رفض التحشيد الطائفي وقال حرفيا إنه يرفض (تجييش كل فئة لشارعها لأن هذا التجييش يحقق مآرب الساعين لتمزيق العراق) وفي هذا الكلام إشارة نقدية واضحة  منه لفتوى \”الجهاد الكفائي\” التي أطلقها المرجع السيستاني. وبغض النظر عن الخلاف بين الرجلين حول قضية \”قانون الأحوال الشخصية الجعفري\” الذي رفضه السيستاني ودافع عنه باستماتة اليعقوبي، فإن ما قاله الأخير يمثل تقدما مهما ولكنه كما سيتضح شكليا وفارغا، في تفكيره السياسي وخصوصا في دعوته إلى (منح المواطنين حقوقهم على أساس المواطنة دون أي اعتبار آخر) وهذه دعوة صريحة لدولة المواطنة، ورفض قاطع لدولة المكونات. هذا يعني أن المرجع وضع يده على الحل الحقيقي ولكنه للأسف عاد وناقض نفسه ورجع إلى قواعد الحكم الطائفي الموجه دينيا بدعوته (لإدارة الخلافات والحوار بين الأطراف من قبل المرجعية الدينية بمساعدة الأمم المتحدة!) فكيف يدعو الشيخ اليعقوبي إلى دولة المواطنة ثم يضع إدارة تطبيق الحل بيد المرجعية الدينية؟

أما الوقف السني، فقد أعلن صراحة آليات الحل حين دعا في بيانه يوم أمس (إلى \”عقد مؤتمر وطني عاجل\” بشأن أوضاع البلد والإسراع بتشكيل \”حكومة وطنية يشترك فيها الجميع\”، وحث على \”إقامة مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أحدا\” من مكونات الشعب) وهذه هي ذاتها الدعوة لعقد \”مؤتمر تأسيسي وطني\” التي أطلقها التيار الوطني الديموقراطي العراقي بعد احتلال العراق بعدة أيام وظل يكررها طوال السنوات الماضية، ولكن كلام الوقف بلغة المكونات، يثير بعض الضباب حول مضمون كلامه. وإذا ما جمعنا دعوة المرجع اليعقوبي إلى دولة المواطنة دون أي اعتبار آخر، مطروحا منها شرط إدارة المرجعية للحوار، وإذا أضفناها إلى دعوة الوقف السني إلى عقد مؤتمر وطني عام، مطروحا منها لغة المكونات ومضامينها، سنحصل على الحل كاملا كما طرحه التيار الوطني الديموقراطي عبر صحيفته \”البديل العراقي\” منذ أيام الاحتلال الأولى، وظلت هذه الدعوة تتكرر طوال السنوات الماضية، وعُقد سنة 2004 مؤتمر تحضيري للمؤتمر التأسيسي في بيروت حضره قرابة 400 شخصية جاءت كلها من العراق ومن كل الأطياف، كما عرض المشروع على أمين عام الجامعة العربية آنذاك عمر موسى وشكلت سكرتاريا للمؤتمر من 11 شخصية، إضافة لعرض المشروع في مؤتمرات عالمية تكرارا.

إنهم، أعني بعض رجال الدين والمؤسسات الدينية، يعرفون الحل ولكنهم يحومون حوله بدلا من اقتحامه والتقدم به على أرض الواقع لتجسيده وإنقاذ العراق وشعبه من شرور العملية السياسية الطائفية التي أنتجت لنا اليوم تحالف داعش ونقشبندية الدوري وآخرين، وستنتج لنا أمثالهم طالما ظلت تحكم وتتحكم بالعراق.

من جهته، أطلق السيد صالح المطلك فكرة يمكن وصفها بالجذابة والنظيفة سياسيا وأخلاقيا، ولكنها فارغة تطبيقيا ولا أفق عمليا لها وتشبه بيضة الديك، فقد اقترح الرجل توحيد جيش النظام السابق مع الجيش الحالي بهدف إنهاء التمرد المسلح لداعش وحلفائه وتشكيل حكومة إنقاذ وطني وفق برنامج سياسي تصالحي!

لو خُيرتُ، شخصيا، بين التدخل الإيراني والأميركي والذي سيتبعه بالضرورة وكرد فعل تكتيكي، وربما سيتحول إلى استراتيجي، تدخل تركي سيهدف ضم الموصل وتحقيق الحلم التركي القديم، وسينتهي خيار التدخلات الأجنبية إلى تقسيم العراق، أو كحد أدنى سينتهي بالقضاء على التمرد المسلح ولكن بتكريس الحال السيئ القائم وتصفيح عربة نظام المحاصصة الذي قاد إليه بالقوات الأجنبية. لو خُيرتُ بين هذا الخيار، والخيار الذي طرحه المطلك، مع علمي بأن صاحبه أطلقه كبالون اختبار سياسي نفعي لا أكثر، لفضلت الخيار الثاني \”خيار المطلك\” ولكن، وبغض النظر عن موضوع انعدام الثقة بالبعثيين \”الدوريين\” بعد طعنة الموصل، فمن حقنا أن نسأل المطلك: أين هو الجيش القديم؟ ما الذي تبقى منه على أرض الواقع؟ هل له وجود محسوس وحقيقي أو حتى شبة حقيقي؟ إن حكومة نظام المحاصصة امتصت من الجيش السابق أكثر من ثلاثة أرباع ضباطه وكوادره وجنوده، أما ما تبقى منه فقد امتصه داعش وأمثاله، وهم الآن يشكلون هيكل داعش الأساسي في العراق وسوريا ومنهم أمير التنظيم نفسه الضابط البعثي السابق إبراهيم عواد السامرائي \”أبو بكر البغدادي\”، ومنهم من اعتزل الحياة العامة ويعيش لاجئا داخل أو خارج العراق. فعن أي جيش يتكلم المطلك؟

كمثال: بعد سقوط الموصل نشر أكثر من 400 ضابط بيانا قالوا فيه إنهم يعترضون على تصرفات الحكومة ولكنهم مستعدون للقتال ضد داعش، ولكن البيان كان كبيضة الديك التي ورد ذكرها في القصة، إذ أن الديك لم يضع بيضا! أما الفكرة نفسها فتبقى كما وصفتُها جذابة كبيضة حقيقية.

* علاء اللامي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا