تبحث عن زوج للخلاص من عائلتها.. التفكك الأسري يتحول إلى تهديد للمجتمع

ما تعيشه ندى (وهو اسمها المستعار على أنستغرام)، كانت تسميه “جحيما”، فوالدها الذي تزوج من…

ما تعيشه ندى (وهو اسمها المستعار على أنستغرام)، كانت تسميه “جحيما”، فوالدها الذي تزوج من امرأة ثانية، كان يعاملها مع أمها بـ”قسوة ووحشية”.

تسكن ندى ذات الثمانية عشر ربيعا مع أمها وزوجة أبيها في منزل واحد في إحدى قرى ديالى شرقي البلاد، إلا أنها وأمها كانتا تحت “اختبار للجحيم”، هكذا كانت تصف ندى معاملة أبيها لها وأمها.

تقول ندى لـ”العالم الجديد”، إن “كل السبل كانت مقفلة في طريق الابتعاد عن هذا البيت على الأقل، فلم أجد طريقة غير أن أفاتح أمي بالهرب إلى العاصمة وإيجاد عمل للخلاص من المنزل، إلا أنها رفضت، كان الخوف سيّد الموقف.. نهرتني وصمتت، وأغلقت هذه الفكرة”.

 

وتضيف “بدأت بالبحث عن فكرة للخروج من منزل أهلي لوحدي، ولم يكن غير التواصل الاجتماعي عبر الانترنت سبيلا لذلك”، وأكدت “عرضت على بعض الأشخاص الزواج المؤقت، كانت الفكرة أن أخرج من البيت متزوجة، ثم أذهب إلى العاصمة متزوجة شكليا ومن ثم أن انفصل عن الزوج لأجد عملا وأعيش هناك لوحدي”.

وتعقيبا على ذلك، يؤكد الباحث الاجتماعي محمد المولى، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “هذه الحالات، رغم أنها فردية لكنها تحتاج إلى المتابعة الدقيقة لتشخيص أسبابها والوقوف عليها”.

ويعرج المولى على أن “عائلات كثيرة في العراق تعيش تحت خط الفقر، يصل عددهم تقريبا إلى قرابة خمسة عشر مليون نسمة، مع العائلات التي تعاني ترابطا أسريا ضعيفا، وهذا مجتمع متكامل يشكل منطلقا للتفكك الأسري مع وجود مواقع التواصل الاجتماعي”.

ويشير إلى أن “هذه المواقع فتحت ثغرة لاختراق الترابط الأسري إضافة لما تحويه من عمليات النصب والاحتيال لمختلف الفئات وخصوصا المراهقين من كلا الجنسين”، لافتا إلى أن “الحلول تكمن بالمتابعة الأسرية ومراقبة الأبناء واختيارهم للأصدقاء”.

وما زال العراق يفتقر إلى التشريعات اللازمة لحماية الأسرة والعناية بها، في ظل ارتفاع حالات زواج القاصرات، فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي وانتشار تعاطي المخدرات، وسط رفض لتمرير قانون مناهضة العنف الأسري داخل مجلس النواب في دوراته السابقة، بسبب اعتراضات بعض القوى الإسلامية، التي ترى في بعض بنوده تعارضا مع التعاليم الدينية.

وعن المشروعية القانونية لهذه التصرفات، يجيب الخبير القانوني احمد العبادي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “من أتم عمر18 عاما، يصبح من حقه أن يسكن في أي مكان ويخرج من أهله ويستحصل على المستمسكات، فيما من لم يتجاوز الـ18 عاما يعتبر قاصرا ولا يحق له ذلك”.

ويلفت إلى أن “هذه القوانين تنطبق على الجنسين ولا علاقة لها بالجنس بل بالعمر القانوني”.

وبين فترة وأخرى، تنتشر في وسائل الاعلام اخبار عن حدوث جريمة قتل داخل عائلة، وذلك بالتزامن مع ارتفاع عدد حالات العنف الاسري منذ قرابة العام بسبب اجراءات الحظر بعد تفشي فيروس كورونا والازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد.

وقد سلطت “العالم الجديد” الضوء على قضية الجرائم داخل العائلة الواحدة، عبر سلسلة تقارير، وفيها ألقيت باللائمة على عدم وجود قوانين تعالج المشاكل الأسرية.

من جانبها، تبين الباحثة الاجتماعية سمر الفيلي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “المشاكل العائلية ليست جديدة وموجودة في كل الأوقات، وغالبا ما تكون بسبب انعدام التوافق بين الأزواج وعدم الارتباط بالشريك المناسب، لكن ضحايا هذه المشاكل في جميع الأزمنة هم الأطفال بين الزوجين، فعندما يكبر الأبناء يصبحون ضحايا للعقد النفسية”.

وترى الفيلي أن “مواقع التواصل الاجتماعي فاقمت هذه الحالات، إذ دفعت جيل المراهقين إلى التفكير بإيجاد حلول لأنفسهم عبر فكرة الهرب، ففي الماضي كان هناك هروب لكن ليس بهذا الحجم، فما يسمونه الجحيم هو نفسه، ولكن وسائل الحرية للخلاص من هذا الجحيم من وجهة نظرهم هو الهروب”.

وعن مصير الفتيات الهاربات، تتابع الفيلي أن “النوادي الليلية في إقليم كردستان استوعبت عددا كبيرا من المراهقين، أما مواقع التواصل الاجتماعي فبدل أن تحل أزمة تسببت بأزمات اكبر، والأهل مغيبون تماما عن هذه الحالات لتفكيرهم بأنفسهم أكثر مما يفكرون بأولادهم، وهذه كارثة من كوارث انهيار المجتمع وانهيار القيم الأخلاقية”.

وتستدرك أن “من أهم وسائل تقليل هذه الحالات هي وعي الأهل وانتباههم على أولادهم فيجب عليهم قدر الإمكان أن يحبوا أولادهم ويهتموا بهم وان يحرصوا عليهم مع مراقبتهم عند استخدامهم لمواقع التواصل الاجتماعي فليس هناك مشكلة إذا ما أصبح الأب والأم أصدقاءً لأولادهم بل على العكس، فهذا يجعل الولد أو البنت يقول كل شيء لأهله قبل أن يقدم على أي فعل”.

وأكدت الفيلي الحاجة إلى “حملات توعية من خلال الإعلام ومنظمات المجتمع المدني عبر نشاطات أو كلمات قصيرة أو فيديوهات توعوية تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي عن ضرورة متابعة الأبناء ومراقبة تصرفاتهم، كما يفترض على الحكومة أن تشدد على النوادي الليلية وعلى جميع من يعملون فيها ووضع مراقبة دورية من قبل وزارة الداخلية”.

وتنتشر في العراق جرائم تسمى بـ”جرائم الشرف”، حيث تتعرض الفتيات إلى القتل على أيدي الأب أو الأخ، بسبب إقامتها علاقة او شكهم بإقامتها علاقة مع رجل خارج إطار الزواج، أو إذا أقدمت على الهرب من المنزل لأي سبب كان، وحالة هروب الفتيات تجري نتيجة لغصبهن على الزواج من شخص ترفضه هي، أو لديها علاقة بشخص آخر وأهلها يرفضون تزويجها له.

وخلال الأعوام القليلة الماضية، شهد العراق الكثير من حالات قتل الأطفال على يد ذويهم، وكانت هناك جرائم قد صورت ورصدت بالكاميرات، ما حولها لقضية رأي عام، فضلا عن انتشار عشرات مقاطع الفيديو لتعنيف الآباء لأطفالهم، بل وتعذيبهم وترك آثار على أجسادهم، وفي كل هذه الحالات اتخذت الأجهزة القضائية والأمنية الإجراءات اللازمة بحق مرتكبيها.

إقرأ أيضا