تحنيط التلفزيون

في الوقت الذي تتنافس محطات التلفزيون حول العالم على الاحتفاظ بأعلى نسب المشاهدين لشاشاتها والاستحواذ على مشاهدين جُدد والوصول إلى متابعي المحطات الأخرى وإقناعهم بالاستمرار على متابعتها دائماً بفضل المواد التي تقدمها من برامج وأعمال دراما وأفلام وثائقية وعروض تلفزيونية ترفيهية منوعة، تتنافس في الوقت ذاته، وبطريقة غريبة، محطات تلفزيونية في العراق على الاستخفاف بمشاهديها (مهما كانت نوعيتهم) من خلال برامج غاية في التقليدية والسذاجة واللامعقول والاستنساخ المشوه لبرامج محطات تلفزيونية أخرى، لبنانية ومصرية في الغالب، وعدم الاقتراب من التجديد.

 

وفي الوقت الذي يتم الاعلان، والتذكير باستمرار، بالحجم المالي الكبير لميزانية شبكة الاعلام العراقي وقنواتها المتعددة التي تبث عبر محطتها الفضائية العراقية، والتي يتم تمويلها بواسطة المال العام بمبلغ يتجاوز المائة مليون دولار أمريكي، لا يَجد المشاهد غير إعادات واضحة لأفكار تلفزيونية تقليدية عبر برامج مكررة لا يتغير فيها سوى عنوانها، لا جديد على شاشات.

 

التلفزيون رغم التغيير الذي حَدث ويحدث في الإدارات التي تقوم بعملية تسيير هذه المحطات، ديكورات متشابهة لمعظم البرامج، مقدمو برامج لا يستطيعون التواصل مع التطور الهائل الذي يحصل باستمرار للمادة التلفزيونية، برامج حوارية ينقصها بشكل واضح البحث العلمي والتحضير المهني، نشرات أخبار غير حيادية وميول سياسية تتبنى الخطاب الحكومي (لا وجود للدولة هنا)، مراسلو أخبار يحررون بنفسهم تقاريرهم ويختارون مادتها الصورية المصاحبة، والتي يتم استخدامها ذاتها يوميا تقريبا في التقارير الأخرى، وأخطاء مكررة في القراءة، بخاصة مراسلي الأخبار في المحافظات العراقية، والكثير من التخبط في اختيار ألوان وخطوط العناوين المصاحبة والموسيقى. يبدو الأمر غالباً أن لا احد يهتم بالجانب الجمالي لشاشة التلفزيون، لا احد يتابع عملية الإعداد، لا فريق عمل يقوم بطريقة احترافية بإنتاج رؤية واضحة تعمل على جذب الجمهور واستعادته.

 

ينطبق الأمر على معظم القنوات التلفزيونية الفضائية العراقية التي تستهدف المشاهد العراقي، حتى أن الأمر انسحب على قنوات عربية وعالمية عالية الاحتراف في مادتها التي تبثها للعالم إلا أنها تتعثر في مواد بثها العراقية، يصل الأمر أحيانا إلى فوضى بَصرية لا تتم معالجتها وتنظيمها، عملياً التلفزيون المحترف ذاهب إلى الاندثار في العراق.

 

في مهنة الإنتاج التلفزيوني يتقدم التسويق على بقية المهمات، إنهُ إمكانية استقطاب الممول المُعلن الذي يستثمر في التلفزيون، الدخول إلى بيوت الناس وتسويق سِلع مختلفة لهم يتم عبر بوابة الأعمال الناجحة. طوال سنوات عديدة بقيت أعمال مثل (The X-File)، و(Friends) و(24)، و(Lost)، و(Simposons) تُسيطر على جمهور واسع من مختلف الأعمار وعلى امتداد قارات العالم وفرضت حضورا لا يمكن تجاوزه على شركات الإعلان التلفزيوني التي تسابقت لشراء حقوق العروض على شاشات محطات التلفزيون لتمنحها بالتالي حياة مستمرة، أنفاسا تتدفق من خلال استمرار الجمهور بمتابعة التلفزيون وعدم إهماله. هذا مثال واضح على تمسك المشاهدين بأعمال يحبونها يقدمها التلفزيون، قائمة الأمثلة طويلة ولا حصر لها في تاريخ التلفزيون. 

 

في العراق نحتاج إلى محترفين مهنيين يعرفون بوعي ويفهمون قيمة التلفزيون البصرية ومساهمتها في تشكيل صورة المجتمع. 

 

شاشات التلفزيون حياة مستمرة بلا توقف. وظيفة التلفزيون أن يقدم الجديد وأن يبتعد عن البرامج التي صارت من الماضي. على الإدارات أن تتبنى خططاً جديدة لإنتاج الترفيه وتقديم وجوه تمنح الشاشة حياة حقيقية مدهشة. 

 

مقدمو البرامج ومنتجوها الذين يعملون على دفع الجمهور للذهاب إلى النوم مبكراً عليهم الذهاب إلى بيوتهم، عليهم أن يتركوا مهنة تحنيط التلفزيون.

إقرأ أيضا