تظاهرات.. أم منابر لصناعة الموت؟!

في عشرات المناسبات تحدثنا جميعا عن سيئات الأحزاب العراقية وخطاياها الكبيرة والصغيرة، في عشرات المناسبات وجهت النخب العراقية اللوم إلى هذا السياسي أو ذاك، هذا المسؤول الأمني أو ذاك، هذا التصرف البذيء والسيئ الصادر من هذا الطرف أو ذاك، لكن من النادر جدا أن نسمي الأمور بمسمياتها وخصوصا حينما يتعلق الأمر ببعض النشاطات التي أصر بعضهم على وسمها بـ\”النشاطات المدنية\” رغم أن ما فيها من تطرف يغطي على جميع أخطاء الساسة العراقيين منذ عام 2003 وحتى الآن! 

بعيدا عن الدبلوماسية واللف والدوران وبلا مجاملات علينا جميعا أن نستوقف تظاهرات الأنبار بشيء من الصراحة، الصراحة التي لا تنكر وجود بعض الأصوات المدنية التي لا تضر ولا تنفع وليس لها أي تأثير على الإطلاق، صراحة لا تنكر أن هناك مطالب حقة ولكنها ضاعت منذ اليوم الأول للتظاهرات وتصدرت مكانها مطالب سياسية ترحب بهذا السياسي لأنه من \”معشر\” وترفض استقبال ذاك لأنه \”لا يركع\” تظاهرات تجاهلت عشرات المطالبات التي وجهتها قوى مدنية من اجل تصحيح ما فيها من خطايا وأخطاء، تظاهرات لم تبعد الطائفيين فيها بل قربتهم، تظاهرات تعلو فيها صيحات \”الله أكبر\” كلما يشم من خطبائها رائحة البارود، تظاهرات تلبي دعوات القاعدة وتدعو لصناعة الموت. تظاهرات رغم أنها في العراق لكنها سلمت من أي اعتداء إرهابي منذ قيامها وحتى الآن.. فيما العراق على بكرة أبيه يغرق بالدماء. 

إن تلك التظاهرات منذ قيامها وحتى الآن لم تفرز صوتا مدنيا واحدا يعلو على أصوات الخطب الطائفية المدججة بالسلاح والتطرف. شاهدنا جميعا خطباء منابر يرفعون شعارات محتقنة حدّ الغليان! شاهدنا شيوخ عشائر يتفاخرون برفع السلاح ضد الدولة، شاهدنا المتحدث باسم المعتصمين في الأنبار بعمته بادئا نشاطه الإعلامي هناك بتصريحه الشهير \”عبد الزهرة وعبد الحسين\”. شاهدنا كثيرا من الخطباء على شاكلة عبد المنعم البدراني وحيته الرقطاء الشهيرة! وآخر تلك السلسلة من التصريحات الطائفية ما جاء على لسان طائفي آخر هو الشيخ سعد الفياض حينما دعا بطريقة مستفزة جدا ومحتقنة إلى الدفاع عن الرسول من ممارسات \”الرافضة\” وخلط الحابل بالنابل ودعا إلى حرب ضروس أخرى مع إيران!

إن خطبا نارية تدعو للقتل العلني على تلك الشاكلة لا تؤثر سلبا في الوحدة الوطنية فحسب، بل تضربها بالصميم، والغريب أن جمهور تلك الاعتصامات يرفع صوته بالتكبير تأييدا لما جاء على لسان الفياض!

كم من الساسة.. النخبويين والكتاب والإعلاميين يرفضون ما جاء في تلك الخطب الطائفية الصارخة؟! كم منهم سيصمت؟ كم منهم يرفع صوته عاليا دفاعا عن حفلات الموت التي لا يسأل عنها القادة الأمنيون والساسة فقط، بل نسأل عنها جميعا أيضا. ألا نستحي من دماء الأبرياء حينما لا نسمي الأمور بسمياتها ونشير للخطايا بصوت مرتفع ونرفع صوتنا عاليا تجاه تلك الأصوات؟ إن صمتنا المطبق تجاه تلك الأصوات المروجة للقتل والذبح يجعلنا شركاء بشكل أو بآخر في حفلات الموت التي تحرق الأخضر واليابس.

من يشاهد تلك العمائم يشعر وكأنهم ليسوا إلا ضباط امن وجلادين في الشعبة الخامسة أو الرضوانية وأبو غريب! إنهم يوزعون صكوك الوطنية والخيانة كما يحلو لهم، ويختزلون الإسلام في مشاريع العنف الطائفي.

وبعد كل ما تقدمت الإشارة إليه.. عبثا يسأل بعض المتابعين عن أسباب ازدياد السيارات المفخخة في العراق!!

جمال الخرسان

gamalksn@hotmail.com

أقرأ أيضا