تعقيبا على ملاحظات عامر الجميلي على كتابي “الحضور الأكدي والآرامي والعربي الفصيح في لهجات العراق والشام”

اطلعت متأخراً للأسف، ومصادفة، على مقالة د. عامر عبد الله الجميلي، الأستاذ في كلية الآثار بجامعة الموصل يقدم فيها قراءته النقدية الرصينة لكتابي “الحضور الأكدي والآرامي والعربي الفصيح في لهجات العراق والشام”، والمقالة تحمل تأريخ شهر آب 2021 ما يعني أن تعليقات الأستاذ الجميلي تتعلق بالطبعة الأولى من الكتاب الصادرة عن دار المأمون البغدادية سنة 2012، أما الطبعة الثانية /الصورة، فقد صدرت سنة 2022 عن دار فضاءات الأردنية.

بدأ الباحث الجميلي مقالته بالقول أنه عثر مصادفة على نسخة من كتابي في معرض نينوى الدولي- جناح دار المأمون للترجمة والنشر الذي أقيم في الموصل، ويضيف “وقد أثار انتباهي كتاب صغير في الحجم ، لكنه في نظري كبير في المحتوى، فتلقفته بنهم وشغف المتعطش للبحوث والدراسات ذات العلاقة بلغاتنا العراقية القديمة التي ما زلت أنهل من عيونها ولا أرتوي من عذب ينابيعها، ولم يمر اليوم حتى كنت قد أتيت على قراءته وتدوين ما عنَّ لي من ملاحظات وهنات صادفتني في تضاعيف الكتاب، فأحببت أن اشرك بها أحبتي وأصدقائي ممن يعنون بهذا الجانب من الحضارة والموروث العراقي، وبدءاً، لا بد لي أن اسجّل شكري وتقديري للأخ علاء اللامي مؤلف الكتاب، ويقيناً إنَّ ملاحظاتي هذه لا تقلل من شأن هذا الكتاب والدراسة القيمة التي تضاف إلى سلسلة الدراسات والبحوث التي تندرج في الموروث الرافديني”. وختم د. الجميلي ملاحظاته بالقول “أرجو من الأستاذ القدير أن يتّسع صدره لملاحظاتي المتواضعة تلك، خدمة لتراثنا العراقي والسوري والعربي الفصيح الخالد”.

ولا بد لي هنا من أن أسجل أسفي لأنني اطلعت على هذه المقالة النقدية الرصينة متأخرا، خصوصا وإنها بقلم باحث مهم ومتخصص في حقول الآثار والإناسة واللغات القديمة هو د. عامر الجميلي الذي تابعت بعض ندواته واستفدتُ من كتاباته منذ عدة سنوات، وأشكره على ما جاد به قلمه من ملاحظات واستدراكات. وأود هنا التعليق على الملاحظات العشرة التي تفضل بها، لأسجل اتفاقي مع مضامين غالبيتها، وإنما زيادة في التوضيح لفائدة القارئ أضيف التوضيحات والاستدراكات التالية:

1- كتب الأستاذ الجميلي “تسرع الباحث -اللامي – في حصر وتأصيل بعض الألفاظ والقطع بـ (أكديتها) أو (آراميتها)، وكان الأولى به أن ينسبها لـ (المشترك السامي) لأن ورودها في الأكدية أو الآرامية، لا يعني أنها غير موجودة في العربية أو العبرية أو الحبشية وغيرها من شقيقاتها السامية”. ولا أعتقد بأن الأمر يتعلق بالتسرع بل بالدقة في النقل والتوثيق؛ فقد نقلتُ ووثَّقتُ التخريجاتِ اللغويةَ لغالبية الكلمات عن مصادر، وقد ذكرت تلك المصادر وفق الترتيب الأكاديمي المعهود. وعلى هذا، فلستُ أنا من قطع بأنها كلمات أكدية أو آرامية بل المصادر التي نقلت عنها. ولكني أتفق مع المعقب على أنه كان من الضروري الإشارة إلى كونها من المشترك السامي “الجزيري” إن كانت كذلك، ولو كانت المصادر التي استندت إليها وذكرت ذلك لما كنت أغفلته في توثيقاتي.

2- أتفق مع تخريجاته التي ذكرها لمفردتي “جفنا” و “تالة /تالا” وهو محق في ما قاله من أن المعنى العراقي لكلمة “تال” قد فاتني أعني “التال: بمعنى صغار النخل وفسيله” وفات مَن نقلت عنه هذا التخريج.

3- بخصوص تساؤله عن تخريج كلمة تخوم فهي واحدة من المفردات التي وردت في دراسة الباحث فاروق عبد الجبار عبد الإمام المعنونة “مفردات آرامية مندائية عربية مشتركة”. وقد نقلتها عن تلك الدراسة هي ومفردات أخرى، وبالتالي فما ذكره من نقص أو خطأ بخصوصها يتحمل هو مسؤوليته بالدرجة الأولى من دون أن أنكر مسؤوليتي في عدم التساؤل أو التدقيق فيها. وأشكر الأستاذ الجميلي على ما أضافه من تخريج للمفردة بالاستناد إلى اللهجة الموصلية العربية حيث كتب “حتى أننا في العامية الموصلية، عندما نشير إلى صلة قرابة بين شخصين، نقول إنه من تخمه أي من جهته وحدّه وأقربائه وله صلة به”.

كما أتفق معه على ربط “تاخومو” الأكدية وبكلمة (تخم) وجمعها تخوم العربية والتي تعني كما قال “الحدّ الذي يفصل ما بين بلدين”.

4- ما ذكرته في الملاحظة السابقة ينطبق بهذا القدر أو ذلك على ملاحظات الأخ الجميلي الخامسة والسادسة والسابعة (وفي الأخيرة يعترض على قولي إنني لم أجد كلمة “ديس” بمعنى ضَرْع في ما بين يديَّ من قواميس عربية ويقول “وفاته أن لها مضاهٍ عربي وهو (طيس) وهو الخير الكثير والبركة والنماء”. وحسناً فعل الأستاذ الباحث بذكر هذه المضاهاة، على الرغم من أنها قد تكون مضاهاة بعيدة من حيث اللفظ والمعنى)، والثامنة (وهي بخصوص كلمة “مر” أي مسحاة، وهذه لفظة أخرى اقتبستها عن دراسة فاروق عبد الإمام سالفة الذكر، وقلت بأنني لم أسمع بكلمة “مرّ بمعني مسحاة” وفعلاً، فأنا لم أسمع بها في بيئتي الجنوبية العراقية، وإذا كان الأخ الجميلي قد سمع بها في العراق أو سوريا فله الشكر على تسجل هذه المعلومة.

5- أما في ملاحظته التاسعة فقد كتب الأخ الجميلي الآتي “وفي مادة هيت كان عليه أن يقول إنَّ اللفظة تعني بالسومرية والأكدية (سمن النفط) وبمعنى آخر (القير) ومنها أخذت المدينة اسمها الشهير لتوافر مادة القير فيها بكثرة”. وكنت قد نقلت معنى الكلمة باختصار فكتبت “هيت = مدينة / هيت أدقيرا”، وحقاً كان ينبغي التفصيل في ذلك فشكرا له على هذه الإضافة.

6- وفي ملاحظته الأخيرة – العاشرة – كتب الباحث “وأخيرا، وليس آخرا يعطي للحرف العربي القديم گـ (G  ) گيمل  تسميات ، من قبيل (القاف الحميرية ) أو (الجيم القاهرية) أو (الكاف الفارسية) وكأن  هذا الحرف لم يكن له حضور في بقية الشعوب السامية الأخرى بهذا النطق ، مع أنه حرف أصيل في كل تلك اللغات ، وأرى أن أصوب تسمية لها هي ما أطلقه عليها الباحث والعلّامة العراقي القدير أ.د . خالد إسماعيل استاذ اللغات السامية في جامعة بغداد، حيث أسماها (الجيم الكافيّة) وهي بالفعل جيما وليست قافاً”. والحقيقة فهذا الحرف ليس حرفا عربيا ضمن الألفباء العربية أولاً بل تحل محله الجيم المعطشة، وثانيا فلم يكن همي هنا تحديداً تأصيل اسم أكاديمي لهذا الحرف، بل كنت أحاول أن أوصل تلفظه الصحيح للقارئ العربي المعاصر وغير المتخصص. فلو قلت حرف “جيم الكافية” كما يقترح هو نقلا عن أستاذنا د. خالد إسماعيل لما فهم القارئ المقصود على الأرجح. ثم أن هذا الاسم ملتبس من حيث المعنى وليس شائعاً لفظا بل هو مجرد اقتراح أكاديمي، أما حين أصف هذا الحرف بالجيم القاهرية غير المعطشة – تمييزا لها عن الجيم الصعيدية المعطشة المحبوسة أو المقطوعة – أو القاف الحميرية أو الكاف الفارسية فسيفهمها القارئ مباشرة وبسهولة. ثم أنني لست الأول الذي يستعمل هذه التسميات ويطلقها على حرف الجيم السامي القديم بل سبقني أساتذة باحثون آخرون منهم مثلا د. رمضان عبد التواب في كتابه “فصول في فقه اللغة”، وأستاذه د. إبراهيم أنيس في كتابه “في اللهجات العربية” وأستاذي الراحل هادي العلوي في دراساته التراثية والمعجمية ومنها “المعجم العربي المعاصر” بمجلداته الثلاثة.

في الختام أكرر شكري للباحث د. عامر عبد الله الجميلي على اهتمامه وملاحظاته القيمة والتي سآخذها بنظر الاعتبار والتقدير في الطبعة القادمة من الكتاب.

*رابط يحيل إلى دراسة الأستاذ الدكتور عامر عبد الله الجميلي:

*كاتب عراقي

إقرأ أيضا