\”جوع\” لـ محمد البساطي مرآة عاكسة لبشر مهمشين

رواية \”جوع\” للكاتب والقاص الراحل محمد البساطي، رواية صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، في 145 صفحة من القطع المتوسط، تعكس ولع كاتبها بقرى الريف المصري الغارقة في معاناتها من الفقر والجوع والمرض والتهميش، ويطرح من خلالها صورة عاكسة لما تمثله معاناتها من بيئة مناسبة لانتشار الجهل والخرافة وتسطيح العقول والأفكار.

ومحمد البساطي له مجموعة مؤلفات قصصية وروائية منها مجموعاته: الكبار والصغار 1968، حديث من الطابق الثالث 1970، أحلام رجال قصار العمر 1979، هذا ما كان 1987، منحنى النهر 1990، ضوء ضعيف لا يكشف شيئاً 1993، ساعة مغرب 1996، محابيس 2002، الشرطي يلهو قليلاً 2003.

ومن رواياته: التاجر والنقاش 1967، المقهى الزجاجي 1978، الأيام الصعبة 1978، ويأتي القطار 1999، ليال أخرى 2000، فردوس 2002، أوراق العائلة 2003، الخالدية 2004.

 

مدخل وافتتاح

افتتح البساطي روايته بالآية القرآنية \”ادخلوها بسلام آمنين\” وهي الآية التي تحمل مدلولاً له خصوصيته الرمزية في مضمون وسياق الرواية ككل، ثم يرسم مدخلاً وصفياً للمكان الذي تنطلق منه أحداث الرواية والذي تعيش فيه عائلة زغلول الفقيرة قائلاً \”واجهة البيت من الطوب الأحمرـ انتفخ أسفلها وتساقطت بعض حجارتهاـ فجوات كبيرة جرى ترقيعها بالأسمنت ـ الباب من الخشب السميك، كتب على الحائط فوقه بفرشاة في لون أبيض: ادخلوها بسلام آمنين ـ اللون مازال زاهياً، والكلمات رغم السنين مكتملة الأطراف ـ الولد الصغير في البيت كان يرعاها، هو لا يفك الخط إنما أعجبه شكلها ـ منذ تفتحت عيناه على الدنيا يراها كلما هم بدخول البيت ـ كان يتسلق الباب لينظفها من الغبار ويغسلها بخرقةـ جدران البيت الجانبية والداخلية من الطين ـ الحجرة الوحيدة مسقوفة بعروق الخشب، والحوش نصفه بدون سقف مما يسمح لضوء النهار والليل بالدخول والنصف الآخر معرش بخليط من فروع الأشجار والجريد وقطع صفيح وخرق تتدلى أطرافها لا تختلف في شكلها كثيراً عن الثعابين التي تتلوى جنبها ـ المصطبة تأخذ تجويفاً عريضاً أشبه بكهف أمام الباب، تكفي العائلة حين تشتد الحرارة وينامون فوقها خلف خلاف\”.

 

جوع

وعندما تتقدم صفحات الرواية، نجد أن ما يكرسه البساطي في روايته \”جوع\” لا يقف عند حدود لقمة العيش، وإنما يتضمن ايضاً كل أصناف الجوع المعنوي اضافة للجوع المادي، كل هذا ينطبق تماماً على أسر القرية، وعلى عائلة زغلول على وجه الخصوص فالزوج\”… بالطرف الآخر من المصطبة يسلك أسنانه بعود قش. هي تدرك ما يرمي إليه بتسليك أسنانه، هو جائع ويذكرها بأن تسرع للبحث عما يسكت جوعه، الأربعة ناموا ببطون فارغة. هي في قعدتها على المصطبة – مثل كل مرة – تنتظر طلعة النهار لتمر على بيوت من تعرفهن تستلف رغيفين، أحياناً تجد، وأحياناً لا تجد. ترد دائماً ما تستلفه، قد تتأخر، غير أنها ترده، لا تنتظر أن يطلبن منها\”.

وفي إشارة إلى الجوع المعنوي تتوقف الرواية عند الزوج زغلول الذي يغرق في نوع من النهم والجوع المعرفي في إطار اصطدامه بمجموعة من الطلاب الجامعيين الزائرين لقريته فترة العطلة الصيفية؛ حيث راح يتتبع مجالسهم وأسمارهم، ويسمع حكاياتهم وينصت خفية إلى مناقشاتهم حول حياة المدينة وآرائهم السياسية التي تغذي عقله وتخترق وعيه، خاصة وأنهم يطرحون في مناقشاتهم هذه بعض قضايا الفلسفة والهرطقة الدينية، وهو ما تأثر به زغلول فراح يتقمص هرطقاتهم ويمضي إلى أحد شيوخ القرية الموسرين يطرح عليه أسئلة غريبة، ذات بعد ميتافيزيقي أو تشكيكي يصعب أن يتصوره. وهو ما يضطر معه الشيخ أن ينهال بالحذاء على زغلول ويجرجره في الأرض حتى تتمزق أسماله البالية، ثم يتصدق عليه بقطعة قماش من المحل الذي يمتلكه ولكن كبرياء زغلول المجروح يأبى أن يقبل الصدقة.

 

البيت الكبير

ولم تكتف رواية البساطي أن تكرس لجوع القرية بشكل مباشر وصريح ، وإنما عمد كاتبها إلى التعبير بالمقارنة والقياس، في إشارة إلى نوع من طبقية الريف الذي يظهر بشكل جلي مدى معاناة فقراء القرية مادياً ومعنوياً بشكل مضاعف عند اصطدامهم ببعض مظاهر الغنى لدى بيوتات أخرى في نفس القرية، خاصة البيت الكبير الذي يقع في الطرف المقابل من القرية، والذي يغص بالخيرات والحجرات، بينما يعاني سكان القرية من ضيق العيش وضيق المكان في آن، كما أنهم يعرفون خيرات البيت الكبير ويصطدمون بها، بل ويعانون من رؤيتها والاطلاع على تفاصيلها، عندما يأتي موعد سفر الخزين في عربات ثلاث تحمل إلى الولد والبنتين، كل في المدينة التي يقيم فيها، وتضم فيما تضم أقفاص الحمام والبط والفراخ والسمان، وصفائح الجبن والعسل الأبيض وزلع السمن والزبد، وأقفاص المانجو والجوافة، وأشولة الرز وشكائر الفول والعدس\” لا يبعد البيت الكبير كثيراً عن بيتها ـ ثلاثين خطوة، وحوله خلاء واسع أوقف زحف بيوت الأهالي الصغيرة باتجاهه كما لو أن هناك خطاً غير مرئي لا يجوز أن تتخطاه، برضاها أو رغماً عنها لا أحد يعرف… من دخلن البيت يحكين ما رأينه من فرش ومقاعد ودواليب وسراير من النحاس… ودت سكينة أن تدخل البيت وترى بعينيها ما سمعت به.. دخلت سكينة أول حجرة قابلتها ـ توقفت ببابها مأخوذة، السرير بعمدانه النحاسية والداير حولها مزخرف بألوان زرقاء، وناموسة ملمومة، ومقعدان فوتيه كما يقول زغلول\”.

 

هوامش بشرية

إن رواية \”جوع\” للبساطي تكثف وبقوة مشاهدها الوصفية العميقة لنماذج شخوصها الغارقين في عوالم الهوامش البشرية؛ فزغلول زوج كسول \”يعمل يوماً ويبطل عشرة\” وهو رغم فاقته يهوى السهر في \”المعزى\” ويساعد في جمع الكراسي ويتطوع لحمل فرش العرسان حتى أنه لا يتنبه لملابسه الرثة والممزقة عندما يهم للمساعدة، وهو ما حدث مرة عندما أراد أن يساعد عريساً في حمل دولابه حيث خلع جلبابه وسرواله ممزق من الخلف، وهو ما أشعر زوجته التي تقف قريبة منه بالخجل مبتعدة عن المكان وسط ابتسامات الحاضرين ممن يشاهدون زغلول وملابسه، وعندما يعود زغلول إلى البيت دائماً ما يبدو عليه التعب عكس حاله خارج المنزل، وعندما تسأله زوجته سكينة عن أجرة عمله في حمل دولاب العريس يقول لها \”أستغفر الله.. ثواب يا ولية.. ثواب\” وعندما تذكره بأولاده قائلة \”وأولادك برضه ثواب\” يرد عليها غاضباً \”ولادي! مالهم ولادي يا بنت الكلب\”.. ورغم أن زغلول يجيد عدة مهن هامشية إلا أنه يعيش حالة مزرية يغلفها الفقر والاستسلام، لكنه في جوهره يتمتع رغم فقره بنقاء داخلي؛ فلا يحقد على أحد أو يفكر في التكسب بطرق غير مشروعة. أما سكينة فهي ثائرة على فقرها متطلعة للاختلاط بحياة الموسرين من أهل القرية وأصحاب البيت الكبير، وهي تدرك جيداً أنها تحمل عبئاً كبيراً هو إمدادا أسرتها بالطعام لسد رمقهم وجوعهم رغم جوعها وفقرها لذا فهي تجاهد حتى تتمكن من دخول البيت الكبير وتعمل فيه لتكون مثل الفتاتين اللتين تعملان فيه منذ مدة وتحصلان على الكثير من مزايا الشبع وغيره، ورغم تحقق ذلك إلا أن الحال لم يدم طويلاً عندما مات صاحب البيت الكبير وعاد الفقر من جديد.

وأما زاهر الإبن فإنه يتحمل إرث الفقر والبحث عن لقمة العيش، ومن ثم فهو يتعرض للكثير من مظاهر امتهان الكرامة؛ فعندما ترسله أمه إلى فرن عباس لإحضار الخبز، يطلب منه عبده الفران أن يكنس الفرن ثم يأخذ ما يريد من كسر الخبز المعوجة أو المحترقة، وعندما يهم عبد الله ـ صديق زاهر ـ بمساعدته ويراه والد عبد الله، يقوم بتعنيف زاهر ويصفعه أمام أهل الحارة، ويحذره من الاقتراب من البيت مرة أخرى، وهو ما يكرس الشعور بالامتهان في نفس زاهر ويقصيه اجتماعياً مع مرور الوقت… وهكذا نصطدم بمثل هذه النماذج الفقيرة المهمشة في رواية \”جوع\” للبساطي.

أقرأ أيضا