حفلة سمر من أجل 5 تشرين

الخامس من تشرين المقبل موعد وصول قطار الحراك الشبابي الذي لم تهدأ ماكنته، الى محطته الثانية على السكة التي أصبح مسارها منظما أكثر من مسارات الحراكات والاحتجاجات السابقة.
هذه المحطة، بتقديري، ستكون جذوة اشتعال الحلم الشبابي بمراجعة الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي والاخلاقي المر القائم في العراق. جذوة لا يمكن لقوات سوات والقوى الأمنية الأخرى أن تطفأها مهما بلغت درجة العنف التي ستمارسها ضد الشباب الذين سيجتمعون تحت سماء العراق وعلم العراق في ساحات العراق، بل على العكس، كلما ازداد البطش وارتفع منسوب العنف من قبل هذه الاجهزة، كلما اشتعلت جذوة الحلم واتسعت رقعة الحراك على امتداد مساحة الوطن. واذا كانت مطالب الحراك الآن بسيطة وقابلة للتحقيق من قبل الحكومة والبرلمان دون أن تؤثر في بنية النظام السياسي، فان هذه المطالب غدا ستتمدد نحو محاكمة بنية النظام المتهرئة، وسيرتفع سقف المطالب، ليشمل المطالبات باجابات شافية عن أسئلة جوهرية تطال الواقع المتخم بالنفاق السياسي والثقافي والاجتماعي، في وقت وصلت فيه الاحزاب الاسلامية ومن يسير بركبها من هوامش الاحزاب الليبرالية واليسار المتأسلم الى نهاية طريق مغلقة، وفقدت قدرتها على تبرير فشلها في ملفات ادارة الدولة، لاسيما الملفين الأمني والخدمي. بتعبير أدق، هذه الأحزاب لا تملك سوى رؤية منغلقة بالكامل بالنسبة للسياسة والثقافة والمجتمع والأخلاق، منغلقة لدرجة العجز عن طرح منهجية علمية لادارة الحاضر، وتفتقد أية رؤى لصياغة المستقبل. مقابل جيل شبابي، هو الجيل الأول الذي لم تختزن ذاكرته مشاهد ممارسات نظام صدام حسين ولا يمكن أن توجه اليه التهمة المعلبة الجاهزة (فلول النظام السابق) والتي الهمت وزير الخارجية (الاوحد) هوشيار زيباري  ليطورها ويطلق عليها وصف (الرفاق والرفيقات).
إنه صراع مفاهيمي على صياغة الحاضر بما تمليه حقوق المواطنة في إدارة الدولة المدنية وفق القدرات المالية الكبيرة للعراق الناتجة عن بيع النفط (وهي بالمناسبة إدارة ريعية لا فضل للدولة أو الحكومة فيها) الثروة الناتجة عن بيع النفط ثروة مشتركة لجميع العراقيين. كما انه صراع مفاهيمي حول تصور المستقبل وفق معطيات الحاضر كما هي واقعا بعيد عن النهب والفساد، وما لم تتم المراجعة تحت خيمة الوطنية العراقية بجميع استحقاقاتها، ومن منطلق الاحترام لقواعد هذا الصراع المفاهيمي فأن الانفجار حادث لا محالة.
هذا هو منطق التاريخ.. وهذا ما مهرته الشعوب بدمائها ضمن مراحل نضالها في مراحل تاريخها المفصلية.
حين احتج الطلبة الفرنسيون في مطلع مايس 1968 بالحرم الجامعي الفرنسي، لم يكن أحد يتوقع أن ذلك الفعل الاحتجاجي سيصنع واحدا من أكبر الأحداث في تاريخ فرنسا والعالم خلال القرن العشرين. فقد بدأت الاحتجاجات ضد مشكلة البطالة بين أوساط الخريجين من الجامعات الفرنسية، لكن العنف الذي جوبهت به من قبل الأجهزة الأمنية حولهّا الى موجة احتجاجات جماهيرية عارمة، حيث انظم اليها العمال والفلاحون والمثقفون في فرنسا وما لبثت أن تعدت المطالب المباشرة، وتحولت إلى مراجعة إيديولوجية النظام القائم من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاخلاقية، وعدّ النظام آنذاك قاهرا وغريبا عن القيم الإنسانية الحقة، مع أن من كان يقود النظام في فرنسا آنذاك هو الجنرال ديغول المعروف بحنكته السياسية وثقافته الواسعة، وليس رجل طارىء على تاريخ فرنسا وثقافتها كما هو حال معظم السياسيين العراقيين الآن.
الحراك الشبابي الطلابي آنذاك، كما هو الحراك الشبابي العراقي الآن، ليس سوى رفض للعقلية البوليسية التي تختبئ وراء الديمقراطية المزيفة، مع ضرورة الانتباه لحفظ الفوارق بين آليات نموذج ديمقراطية ديغول الفرنسية وآليات نموذج ديمقراطية المالكي- النجيفي العراقية، هذا إذا جاز لنا أن نسميها في العراق ديمقراطية أصلا.
ومن أجل إدامة زخم تواصل حراك شبابنا، أرى من الضروري أن أذكرهم بان حراك الشباب في فرنسا قد تقدم خطوات على الواقع الثقافي مع انه كان يعيش أزهى مراحله في فرنسا آنذاك، وبدأ معظم مفكري وفلاسفة ومثقفي فرنسا السير خلف قافلة الحراك الشبابي الطلابي، وبمقدمتهم جان بول سارتر وجيل دولوز وميشيل فوكو، كما ان هذا الحراك أنتج حراكا فكريا لم تشهد فرنسا مثيلا له من قبل، فقد شكل موضوعا يُعد مرجعية على درجة كبيرة من الاهمية في الفكر والثقافة الفرنسيتين، إذ كتب جان بول سارتر واحدا من أفضل مؤلفاته، بعد الوجود والعدم، وهو كتاب (العقل الجدلي)، فيما كتب هربرت ماركيوزه كتابه (الانسان ذو البعد الواحد) ونشر ريجيس دوبريه الصحفي المشاكس الذي عرف بكتابه بين نارين واربعة جدران، كتابه المهم (ثورة داخل الثورة) كما كتب ويليام راشت كتابه المهم (الثورة الجنسية) وهو كتاب يتحدث عن الابعاد الجنسية للحراك، فيما اشترك كلود باسرون وبيير بورديو في نشر كتابهما المشترك (الورثة.. الطلبة والثقافة) وهو توثيق تحليلي للحراك الشبابي الطلابي في فرنسا آنذاك.
الحق أقول لكم ايها الشباب، اننا نسير خلف حراككم ولكن بخطوات. دعو مومياءات الثقافة والسياسة خلفكم، وستجدون ان الجميع سيلهث خلف مسيرتكم المباركة، ستكتب عن تجربتكم عشرات الكتب، وستعقد حول تجربتكم مئات الندوات والمساجلات التلفزيونية الفضائية، وستدبج عن حركتكم آلاف المقالات..
لكن الأهم من كل ذلك هو تواصل زخم حراككم وسيلتف حولكم أهلكم في العراق من كل القوميات والأديان والمذاهب.
تذكروا .. أنكم أنتم .. وأنتم فقط .. حاضر العراق .. ومستقبل العراق.

أقرأ أيضا