حول ترجمة (المسخ) لـكافكا

سوزان برنوفسكي
كُتبت رواية المسخ (Die Verwandlung) لكافكا منذ قرن, في أواخر 1912, خلال فترة واجه فيها كافكا صعوبات لتحقيق تقدم في روايته الأولى. في 17 نوفمبر 1912, كتب كافكا الى خطيبته فيليس باور أنه كان يعمل على قصة \”جاءتني في رقادي البائس على الفراش\”. وظلت تطارده. كان يأمل في كتابتها بسرعة ــ لم يكن متأكداً كم سيكون طولها ــ عندما شعر أن القصة ستكون أفضل  لو استطاع كتابتها في بنية واحدة أو اثنتين. لكن كان هناك الكثير من الانقطاعات, واشتكى لفيليس عدة مرات من أن التأخير قد يضر بالقصة. بعد ثلاثة أسابيع, في 7 ديسمبر, كان قد انتهى منها, على الرغم من مضي ثلاث سنوات أخرى قبل نشرها.

كما نعرف من مذكرات ماكس برود, أن كافكا قد قرأ المقطع الأول من \”قطعة الحشرة\” (Wanzensache) بصوت عال لأصدقائه في 24 نوفمبر 1912, ومرة أخرى في 15 ديسمبر. الناس بدأوا يتحدثون عن ذلك, وكافكا حصل على التماس من الناشر كورت وولف في مارس 1913 بناءً على توصية من صديق كافكا, فرانز فيرفيل. فرانز بلي, المحرر الأدبي لمجلة جديدة \” Die weissen Blätter\”   (الأوراق البيضاء), أعرب عن اهتمامه, وروبرت موزيل كتب كذلك التماسا أكثر تأكيداً في مجلة \” Die neue Rundschau\” (روندشاو الجديدة). لكن مرت شهور قبل أن يعيد كافكا كتابة المخطوطة لتكون جاهزة للنشر, ومن ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى, ما تسبب في مزيد من التأخير. (استدعي موزيل لأداء الخدمة, وبسبب الحرب قرر بلي التوقف عن نشر النصوص الأدبية).

في ربيع 1915, تعامل رينيه شيكيل مع النص كرئيس تحرير لمجلة (الأوراق البيضاء), وبمساعدة ماكس برود, نشر كافكا القصة في المجلة. نشرت القصة في أكتوبر 1915, وظهرت بعدها في ديسمبر 1915 (على الرغم من أن الرواية مؤرخة بتاريخ 1916) كمجلد ضئيل نشر من قبل دار نشر كورت وولف في لايبزيغ.

بطل القصة, غريغور سامسا, مضاد لبطل كافكا الجوهري. عمل لحد الإنهاك من أجل سداد ديون والديه, مسخه البشع هو مظهر مادي لإذلاله.  لكن الى أي شيء تحوّل؟ في مراسلات كافكا مع ناشره, كان يصر على أن \”الحشرة\” لم تصوّرعلى غلاف الكتاب.

على الرغم من أن أصدقاءه استخدموا كلمة \”البقة\” (Wanze) عندما أشاروا عرضياً للقصة, اللغة التي ظهرت في الرواية نفسها أختيرت بعناية لتجنب التحديد. النعت \”ungeheueres Ungeziefer\” (القملة الضخمة) في الجملة الافتتاحية يشكل واحداً من أكبر التحديات على المترجم. كل من الصفة \”ungeheuer\”  (وتعني وحشي أو ضخم) والاسم \”Ungeziefer\” متناقضان ــ أشياء واقعية غير موجودة ــ الكلمتان مسبوقتان بــ\”un\”. الكلمة Ungeziefer تأتي من اللغة الألمانية في أوج العصور الوسطى, على النقيض من اللغة الألمانية القديمة (بالنسبة الى اللغة الإنكليزية القديمة ti’ber), والتي تعني \”التضحية\” أو \”الأضحية\”.

الـ ungezibere إذن هو حيوان نجس غير صالح للأضحية, و Ungeziefer  تصف فئة من الأشياء الزاحفة المقرفة. الكلمة في اللغة الألمانية تشير في المقام الأول الى مخلوقات ذات ستة أرجل, على الرغم من تشبيهها بالكلمة الإنكليزية \”الهوام\” (التي تشير أساساً الى القوارض). كلمة Ungeziefer تستخدم أيضاً بشكل غير رسمي كأسم يساوي كلمة \”بقة\” على الرغم من أن الدلالة هي \”بقة قذرة\”. لا يمكن اسقاط الكلمة على مخلوقات لطيفة ومفيدة مثل الخنافس. في ترجمتي, يتحول غريغور الى \”نوع من الحشرات القبيحة\” مع \”نوع من\” أضفتها من أجل طمس تحديد نوع معين من الحشرات. أعتقد أن كافكا أراد لنا أن نرى جسم غريغور الجديد وحالته بنفس التركيز الضبابي الذي كشفه غريغور نفسه.

وينطبق نفس هذا التركيز المشوش على جوانب أخرى من القصة. على الرغم من أن فلاديمير نابوكوف ــ مع ميله للدقة ــ رسم شقة سامسا مع بعض التفصيل, إلا أني على يقين من أن كافكا نفسه ــ مع ميله الى تصورات غير واضحة من الحيرة ــ كان مهتما أكثر بدقة جغرافية الشقة. كم عدد الغرف التي تحتويها الشقة؟ الكثير, الكثير جداً, تماماً مثل غريغور, وهو مستلقٍ على ظهره في الجملة الافتتاحية للقصة, ويكتشف بأنه يمتلك \”العديد من السيقان الصغيرة\” تلوح فوقه في الهواء, كلها ترتبط فيزيائياً بالحياة التي خرجت عن سيطرته. كافكا لم يكترث بشكل خاص باستمرارية مجموعة شخصياته. في بداية القصة نرى خادمة تقدم إشعارا ثم تختفي, ثم نجد أنها لا زالت تعمل في المنزل بعد عدة صفحات وتقوم بالطبخ فعلاً, ومنذ تلك اللحظة هي الطباخة التي استقالت من عملها. ما عدا الخادمة التي تلعب دور البطولة في المشاهد ما قبل الأخيرة,  المساعدة المنزلية هي مجرد جزء من أثاث القصة, مثل الخزانة التي أنتقلت الى غرفة مجاورة.

حتى الشخصيات الرئيسية تميل الى الظهور بشكل قاطع, أسماؤهم تدل على وظائفهم: \”أب\”, \”أم\”, \”أخت\”. شخصية واحدة فقط لديها اسم, غريتا (كما ننطق بيتا), لكن حتى هي عادة ما يشار إليها على أنها \”أخت\”, غالباً, حتى اللحظة الحاسمة قرب النهاية حيث تصبح \”إبنة\”. بواسطة تعريف كل تلك الشخصيات من خلال علاقتها بغريغور, يسمح كافكا بمكر لوجهة نظر غريغور أن تسيطر على القصة عندما لم يكن حاضراً بالفعل في المشهد الذي وصفه.

فكرة ملحة واحدة لم أتمكن من الحفاظ عليها في الترجمة, وهي موضوع ruhig/unruhig. تدل ruhig على: الهدوء, السلام وهادئ, براحة, أما unruhig فهي نقيضها. بدءاً من unruhigen Träumen (احلام مضطربة) في الجملة الأولى. السرد يتأرجح بين المضطرب والواضح, الهادئ والسريع, السلمي وغير المستقر. ولا كلمة في اللغة الإنكليزية تلائم بشكل جيد وكافٍ جميع السياقات التي قدمها كافكا, قررت ترجمة الكلمة بطرق مختلفة, لكن ستلاحظون عندما تقرأون كل هذه المرادفات أن الفكرة بدأت تتضح.

ما بعد نشاط التحوّل الذي يعطي غريغور أعظم شعور بالحرية, يظهر في ترجمتي على أنه \”زحف\”: هو يستمتع بالزحف على جدران وسقف غرفته. والمفارقة, أن الفعل kriechen في اللغة الألمانية (الذي يترجم أيضاً بـ \”زحف\”) يحمل معنى اضافيا وهو \”ينكمش\”. Kriechen لشخص هو تملق ذليل نحوه. بهذا المعنى أيضاً, حالة غريغور الفيزيائية الجديدة تظهر كتمثيل لحالة ذل روحية طويلة.

أخيراً لا يملك غريغور إلا أن يلوم نفسه على بؤس وضعه, منذ أن قبل عن طيب خاطر بالبؤس على أنه جزاء يستحقه. مثل غيره من أبطال كافكا الفاشلين, كان يخطئ بسبب سوء تصرفه, بدلاً من السماح لنفسه بعمل شيء إزاء ذلك. غريغور سامسا, البقة العملاقة, هو رسم كاريكاتوري لوجود إنسان ثانوي انتقل من الداخل الى الخارج. قايض عموده الفقري بهيكل خارجي, لكن حتى هذا الهيكل الضخم (\”carapace\” و\”armor” كلاهما نفس الكلمة في اللغة الألمانية, panzer) لم يحمه مرة واحدة من طاقة والده المفاجئة عندما بدأ برشقه بالتفاح ــ اختيار مقدس ساخر للسلاح.

غريغور بائع متجول, لكن ما باعه هو نفسه: وكالته وكرامته, جعلت منه خائنا بكل معنى الكلمة. لهذا السبب استخدم أحياناً كلمة \”تاجر متجول\” لوصف مهنته, مشيراً الى آخرين من أمثاله, \”بائع متجول دؤوب سقط في الرماد يمكن أن يشبههم جميعاً.\” هذا لويلي لومان كما وصفه آرثر ميلر في \”موت بائع متجول\” في 1949. المسخ هو موت البائع المتجول لكافكا, بكل حزن, مأساة وقذارة. مثل ويلي لومان, غريغور انتحر برغم الاختلاف: هو مات كفنان جائع, هلك جوعاً لأن لا شيء يبدو له بمذاق جيد. ومثل ويلي, موت غريغور هو آخر خدمة يقوم بها لفائدة أسرته.

في نفس الوقت, سرد كافكا التراجيدي الكوميدي ــ على عكس ميلر ــ غالباً ما يكون مضحك بسعادة كبيرة. أتصور كافكا وهو يضحك بصخب عندما كان يقرأ القصة لأصدقاءه. سذاجة غريغور (قد نسميها أيضاً عفوية) تجتمع مع جديته وميله ليبدو مجهداً في تأكيداته شيء مضحك تماماً. لإظهار هذا الجانب من القصة, أكدت بلهجة خفيفة الهستيريا في صوت غريغور التي تبدو مناسبة.

القصة فكاهية قاسية في أجزاء منها, وليس أكثر من لحظة تبين أن ــ على الرغم من حقيقة أن غريغور يعيش أقل أو أكثر من خادم سُخر لسداد ديون والديه القديمة ــ العائلة لديها الكثير من المال: ليس بما يكفي ليسمح لهم بالتوقف عن العمل تماماً, لكنه مناسب لعش بيض صغير. وعلى الرغم من وصفهم بالفقراء إلا أنهم لم يجدوا صعوبة في الحفاظ على خدمات خادمة واحدة على الأقل.

مشكلة أخيرة مع ترجمة القصة, وهي العنوان نفسه. على عكس اللغة الانكليزية \”المسخ\”, الكلمة الألمانية \”Verwandlung\” لا تشير الى تغيير طبيعي لحالة ترتبط بالمملكة الحيوانية مثل تحوّل اليرقة الى فراشة. بدلاً من كلمة تستخدم في الحكايات لوصف التحوّل, تقول: إخوة الفتاة السبعة تحولوا الى بجع. لكن كلمة \”المسخ\” تشير الى ذلك أيضاً, تعريفها الأول في قاموس أكسفورد للغة الانكليزية هو: \”الفعل أو عملية التغيير في الشكل, أو المضمون, وخاصة التحوّل عن طريق وسائل خارقة\”، هذا هو المعنى الذي تم استخدامه, على سبيل المثال, في ترجمات أوفيد كعنوان لهذه القصة الثرية المعقدة, يبدو لي اختياراً أكثر وضوحاً ودلالةً.

(هذا المقال مقتبس من مقدمة الترجمة الجديدة لرواية \”المسخ\” لفرانز كافكا.)

المصدر:  The New Yorker   

إقرأ أيضا