(خطاب الوداع).. درس من التاريخ

خلال النصف الأول من عقد تسعينات القرن الثامن عشر (1790) كانت الحقيقة الوحيدة الراسخة في تأريخ السياسة الأمريكية هي جورج واشنطن. كان أسطورة زمانه درجة وصف الأمريكيين له (أبو البلاد) أو (راعي أمريكا) منذ 1776 التي لم يكن قبلها وطن اسمه أمريكا.

 

وفي وقت توليه السلطة الرئاسية عام 1789 لم يكن آنذاك أي مرشح منافس له في الساحة السياسية، وقد تصاعدت ونمت بخصب حوله الأفكار الأسطورية كشجرة اللبلاب المتسلقة للجدران، وهي تحيط رجل أمريكا بهالة من القدرة الكامنة، مصورة بدقة صفاته الإنسانية العظيمة بمعزل عن انجازاته البطولية التي يصعب تخيلها.

 

وفي واحدة من بطولاته العجيبة والواقعية، يروى أنه كان بمعية الجنرال (إدوارد برادوك) في حملته سيئة الطالع على ضواحي بطرسبرغ عام 1775 ضد الفرنسيين، حيث تعرض الشاب جورج واشنطن لعدة إصابات اخترقت خلالها رصاصات عدة أماكن عديدة من جسده رغم امتلاكه فرسين سقطا معه أيضا. مع ذلك أصر الشاب جورج واشنطن في يورك تاون عام 1781 على الصمود واقفا لخمس عشرة دقيقة كاملة تحت وابل من الرصاص وشظايا المدفعية المتطايرة من حوله، وعن قرب، متجاهلا صيحات الإغاثة ليرفع معنويات رفاقه الذين صمدوا حتى النهاية، حيث كان خطيبا بارعا يستحوذ على إصغاء الآخرين بشكل ساحر.

 

وفي تسعينات القرن الثامن عشر (1790) كانت الولايات المتحدة تحتضن صور جورج واشنطن في كل مكان، في اللوحات، المطبوعات، العملة المعدنية، الصحون أو الأقداح، ولا يكاد هناك مكان يخلو من صور البطل الأسطورة.

 

كان يمتلك كاريزما قيادية محورية طاغية في جميع الأرجاء التي تدور بها رحى الثورة طيلة ثماني سنوات طاحنة استمرت من 1775 وحتى 1783 كان فيها الضابط القائد المثابر الذي حصد ثمار العقد الدستوري العام 1787، وقد كان الرئيس الأول والوحيد للحكومة الفيدرالية الوليدة منذ 1789 كان رجل أمريكا الوحيد، ولا بديل له على أرض الواقع، فقد كان مصدر جذب لأبناء وطنه وسدا منيعا يحمي الثورة داخل أتون الحرب من حالات التصدع والتشظي، وكان مركزا يتوحد حوله كل رجالات الثورة، ومنبعا لحماسهم، وأصبح بجدارة الرجل الذي يوحد القلوب وبدون منازع. 

في 19 أيلول 1796 حدث ما لم يتوقعه أحد، حيث نشرت جريدة (الأمريكان ديلي أدفرتايزر) مقالة موجهة للشعب الأمريكي في صفحاتها الداخلية، وكانت المقالة صارمة على الرغم من روعتها والبساطة التي تتحلى بها، وقد بدأت بالقول \”أيها المواطنون الأصدقاء والأعزاء.. إن فترة انتخاب مواطن لإدارة الحكومة التنفيذية للولايات المتحدة باتت قريبة وعلى الأبواب… ويبدو لي أن من المناسب جدا وبالأخص كما أفضت إليه الأمور بمزيد من الوضوح من حيث أصوات الناخبين ومشاعرهم، لابد لي أن أوضح لكم القرار الذي اتخذته، وهو أني لن أكون واحدا من بين المرشحين لتولي الحكومة الجديدة\”. وقد أنهى الإعلان بدعوة للاعتدال، وبتوقيع غير متكلف أو مزين (ج. واشنطن – الولايات المتحدة).

 

جميع الصحف الرئيسة في البلاد أعادت نشر المقالة على مدار أسابيع عديدة، عدا صحيفة (كوير أوف نيوهامشاير) التي حورت عنوان المقالة إلى (خطاب الوداع لواشنطن)، ليبقى صداه يتردد على مر العصور، الأمر الذي أثار جدلا مستمرا وواسعا لمعاصريه، لأن أحدا لم يكن يصدق المحتوى، ما جعل بعضهم يشك بأن كاتب المقال ليس جورج واشنطن، بل هو هاميلتون، لكن (خطاب الوداع) أصبح على مر السنوات الطويلة إنجازا تأريخيا بارزا، لا سابق له، ويرتقي في أهميته إلى (إعلان الاستقلال).

 

وفي أواخر القرن التاسع عشر تبنى الكونغرس قرارا يقضي بإلزام قراءة (خطاب الوداع) كطقس يحتفى به في جميع المدارس والجامعات الأمريكية واستنباط العبر والقيم الديمقراطية والسياسية والاجتماعية منه ليومنا هذا، وبالأخص أن جورج واشنطن تنازل عن منصبه بعد دورتين من الحكم فقط، وكان في أوج عطائه ونجاحه وتمسك الناخبين والمواطنين به، وكانت شعبيته طاغية، ومن دون منافس، ما أثار استغراب الكثير من سياسيي عصره، لكن عمله هذا (تخليه عن الحكم بعد دورتين انتخابيتين)، خلّده التأريخ وأصبح سنّة يتبعها نظام الولايات المتحدة، ومنهجا يسير عليه النهج الانتخابي الأمريكي على مر التأريخ، ولم يتجرأ أحد على كسر هذا الطقس المقدس ماعدا (فرانكلين روزفلت) عام 1940 (بعد وضع فقرة تعديل الدستور رقم 22 لعام 1951)، ومع ذلك لم تتكرر تجربة روزفلت تلك حتى عاد طقس جورج واشنطن مقدسا في أذهان وضمائر السياسيين الأمريكيين قبل الناخبين، ومعمولا به لحد الآن في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة.

 

لا شك أن خطاب الوداع لجورج واشنطن يعد اليوم درسا في التأريخ.. عسى أن يقرأه سياسيونا المتكالبون والمتمسكون بكراسيهم هذه الأيام.

 

* ثائر عبطان حسن: كاتب عراقي

إقرأ أيضا