خطوط

لم تقتصر الخطوط في حياة المواطن العراقي على خطوط الكف وخطوط الطول والعرض وخطوط السكك الحديدية وخطوط الهواتف، بل تعدت لتشمل خطوط اخرى لم يعرفها غيره من البشر العاديين او الطبيعيين. وباعتبار ان العراقي ليس انسانا عاديا، فأن اول خط يعرفه مع اول ضياء في حياته هو خط الفقر الذي سيلازمه طوال حياته ويعيش في ظله سنين عمره، وان اختلفت السنين وتغيرت الانظمة والحكومات.

الفقر صديق الموطن العراقي الدائم في كل العهود، ملكية، جمهورية او ديموقراطية وفي كل المواسم صيفية، شتوية او انتخابية. فلولاه لن يعرف العراقي طعم المواسم على حقيقتها، فالشتاء بارد ويجب عليه ان ترتعد فرائصه من البرد  في مسكن الفقر الذي يأويه، حيث لا كهرباء مستمرة ولا منتوجات نفطية رخيصة ومتوفرة ليستخدمها في تدفئة مسكنه الفقير ليذق طعم الشتاء الحقيقي. وفي الصيف عليه ان ينام \”اذا جاؤه نوم في ظل درجة حرارة 50 مئوية\” فوق السطوح \”اذا كان لمنزله سطح\” يحسب النجوم ويعد لدغات البعوض، مستخدما \”مهفته\” بين حين وآخر  لتلطيف الجو الرومانسي الذي يعيشه ويتلذذ بصيفه المختلف عن صيف البشر. ولولاه \”الفقر\” لن يفوز الساسة العراقيون في  موسم \”الانتخابات\” لانهم لن يجدوا من سياخذ بطانياتهم ومدافئهم، ويقسم لهم اغلظ الايمان بانه وعائلته سينتخبهم رغم  علمه انهم لم يغيروا شيئا ولن يغيروا شيئا في حياته، وان تردي الخدمات في كل القطاعات، التعليمية والصحية والخدمية وانقطاع التيار الكهربائي سيستمر سنينا ودهورا. ولولاه لن يخرج العراقيون في مظاهرة تأييد للحكومة وقت تشاء ومتى تشاء وضد من تشاء. ولولاه لن تستطيع دول الجوار التدخل في الشأن العراقي ولن تستطيع ان ترسم للعراق سياسته وحدوده وتحرك قادته في اي اتجاه ترغب. 

 الفقر كان ولا زال صديقا للمواطن العراقي، ولن تنفك اواصر الصداقة بينهما مهما كثرت أبار النفط المكتشفة في العراق او ارتفعت نسبة انتاج النفط  فيه الى ملايين البراميل يوميا، ومهما تضاعف سعر برميل النفط العراقي في سوق النفط العالمي، ومهما بلغت ميزانية الدولة العراقية من الترليونات من الدنانير وسيظل المواطن العراقي اسيرا للفقر وتحت ظله مادام هناك \”سارق وفاسد وفاشل\” ومادام هناك من يوظف الفقر لصالحه لانه يحتاج البقاء في السلطة الى فقراء ينتخبونه ويصفقون له ويعظمونه. 

ان 18.9 بالمائة من سكان العراق يعيشون تحت مستوى خط الفقر، حيث بلغ عدد سكان العراق الفقراء 6.4 مليون نسمة حسب تقرير المركز الوطني للحقوق الانسان الحكومي، وان النسبة قد تزداد الى اكثر من ذلك، اذا لم تتخذ الدولة خطوات عاجلة للقضاء على الفقر والغاء خط الفقر تماما من حياة  المواطن العراقي.

ان تخفيف اثر الفقر في العراق يتطلب من الدولة حلولا جذرية لمشاكله المستعصية المتمثلة بالبطالة وقلة فرص العمل وانعدام الامن والفساد والمحسوبية التي تنخر في جسد الدولة العراقية، ولن يتغير وضع المواطن العراقي مادامت تلك المشاكل دون حل. وستزداد كل عام حتما نسبة الفقر والفقراء ويعيش تحت خط الفقر ملاين اخرين من العراقيين.  

أقرأ أيضا