داعش ومخاض الدولة الكردية

عندما سقطت مدينة الموصل بيد مسلحي داعش ومن يساندهم في العاشر من حزيران؛ كان الجميع منشغلا بالتساؤل حول حيثيات انسحاب القوات العراقية من المدينة التي لم تتمكن من مقاومة عدة مئات (كما أكد الجميع حينها)، من المقاتلين الغرباء، وحتى إن لم يكن هؤلاء غرباء أو ثمة في الداخل من هيأ لهم دخولهم إلى المدينة، فنحن أمام واقع يؤكد هزيمة من كان يمسك بزمام الأمن في الموصل، سواء من قوات الجيش أو حتى الشرطة بشقيها الاتحادي والمحلي.

 

هذه \”الهزيمة\” او \”الانسحاب التكتيكي\” او \”المؤامرة\” انتهت بحقيقة تقول ان داعش وغيرها احكمت سيطرتها تماما على الموصل كمنطلق لتوسعها لكن لماذا الموصل؟ ألم يكن بوسع ذلك التنظيم التحرك في الأنبار المهيأة بعوامل سياسيا ومذهبيا وقبل كل ذلك جغرافيا لاحتضان هكذا حدث؟؟ ألم تكن الأنبار هي الحاضن الأهم للجماعات المسلحة المتطرفة على مدى السنوات الماضية؟؟

 

ولنفترض أن ما كان يحدث في الأنبار لم يكن سوى تكتيك مقصود لإشغال المنظومة العسكرية والاستخبارية العراقية عن الموصل حتى الوصول الى ساعة الصفر, لكن ذلك لا يبدو منطقيا أبدا، فنحن أمام مؤسسات دولة قائمة ومدعومة بشكل غير مسبوق، فإذا سلمنا بان هذه المؤسسات الضخمة استدرجت بفعل تنظيم لا يملك إلا التخطيط لأنشطته في الخفية، فسنكون أمام مأزق كبير يتعلق ببنية المنظومتين العسكرية والاستخبارية وبالتالي فنحن أمام اعتراف بان العراق لم يكن ما بعد العام ٢٠٠٣ سوى كيان شكلي متهرئ امنيا وسياديا، فلا سيادة دون منظومة حماية محكمة، ولا أمن دون وجود قوات قادرة على الاحتفاظ بمواطئ أقدامها على الأقل.

 

لكن المثير هو أن تلك القوات لم تكن بهذا الضعف في الأنبار، ولا تزال تواصل مواجهتها للمسلحين بكل فئاتهم هناك، وهو ما يدل على غياب الرغبة الحقيقية لمواجهة داعش قبل دخولها الموصل. فلو كانت تلك الرغبة حاضرة فعلا لشهدنا ربما شيئا من المقاومة على الأقل.

 

في المقابل لم تكن قوات البيشمركة الكردية أكثر قوة وتنظيما وعدة وعددا من الجيش العراقي، لكن المفارقة هنا هي أن البيشمركة تسجل نجاحات كبيرة ضد داعش (التي تنامت قوتها بعد دخول الموصل) في المناطق التي خسرها الجيش. فهل تنامت قوة البيشمركة في هذه الأثناء لدرجة أن تثبت جدارتها على حساب الجيش العراقي المدعوم دوليا؟ أم أن داعش باتت أضعف؟

 

لكن ذلك لا يبدو منطقيا فداعش ما زالت تثبت قدرتها على التمدد بسرعة وثبات في العمقين العراقي والسوري. هنا يصبح ممكنا أن نتساءل عن احتمالية أن تكون داعش هي من قررت الانسحاب من مناطق سهل نينوى وتسليمها إلى البيشمركة، أي لكردستان الحالمة بضم تلك المناطق إليها. 

 

وإذا ما نظرنا إلى الغارات الأميركية ضد داعش في العراق فسنعرف أنها موجهة فقط لمساندة قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها (سابقا). هنا أيضا يمكن التساؤل عن سبب اقتصار ذلك التدخل الأمريكي على مناطق الـ١٤٠؟؟… وكذلك اسباب انسحاب داعش من سد الموصل بهدوء بعيدا عن سياقات الأرض المحروقة. ألم تكن داعش قادرة على نسف سد الموصل انتقاما من تقدم البيشمركة بدعم من \”قوى الكفر\” الأميركية؟؟ لكن هذه الروح الانتقامية يبدو أن داعش استبدلتها بنوع من الألفة غير المعهودة كما تظهر بعض التسجيلات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعية، فبعضها يظهر حاجزين متقابلين لا تفصل بينهما سوى عدة أمتار أحدهما للبيشمركة والآخر لداعش، في مشهد يبدو وكأنه جزء من واقع جديد لترسيم حدود ي تلك المنطقة.

 

كل هذه الوقائع والتساؤلات تقودنا إلى شكوك حول حقيقة داعش وأهدافها. فهل تشترك داعش وكردستان في الأهداف مرحليا على الأقل؟؟ أم هي محض مصادفة؟؟ أم أن داعش أداة لتحقيق واقع جديد في المنطقة لا ينتهي بقيام دولة كردية يمكن أن تكون حليفا نفطيا صريحا لإسرائيل الغارقة في وسط يعاديها ولو ظاهريا؟

 

* تمام عبد الحميد: صحفي عراقي

إقرأ أيضا