(دماء على نهر الكرخا) لحسن العلوي: مجوس بعمائم شيعية يقودهم ابن سبأ (5-9)

يمكن أن نتجاوز ما تبقى من الفصل الثاني من هذا الكتاب، وفصول أخرى، دون أن نخسر شيئا، فهو عبارة عن تكرار للمعزوفة ذاتها التي توقفنا عند بعض مفاصلها قبلا، ولكننا قبل أن ننتقل إلى فصل آخر نشير إلى أن الكاتب، وخلال استعراضه \”السينمائي\” لمعركة جرت بين القوات البابلية بقيادة \”العراقي العربي الوطني!\” نبوخذ نصر والقوات الفارسية \”العيلامية!\” عند نهر الكرخة قام بمحاولة لإقحام الحاضر ممثلا بالحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات مع تلك الحرب في العصور الغابرة دون مسوغ علمي أو حتى إنشائي. وبعد ذلك بعدة أسطر، يقوم حسن بمحاولة أخرى لربط ما قام به الماذيون الذين يرتبطون، كما يقول، \”برابطة النسب بالفُرس\” وهذه هي المرة الأولى التي تتناسب فيها الأمم في كتاب تاريخي، مستشهدا على ما يقول بالمؤرخ عبد الرزاق الحسيني لتأكيد هذه المعلومة، والرجل – رحمه الله – لم يعرف عنه أي اهتمام بالمواضيع السلالية أو علم الأنساب بين الأمم أو بين الأفراد، وله كتاب ذائع الصيت هو \” تاريخ الوزارات العراقية\”، ويروي حسن أن الماذيين شكلوا دولة متحدة مع الفرس، وقد استطاع الملك الفارسي كورش أن يقوض الدولة الكلدانية سنة 239 ق م، وخلال ذلك زعم كورش أن الملك الكلداني انتهك حرمة الآلهة؛ وهنا، يقفز حسن برشاقته وسذاجته المعهودة من هذه الحادثة إلى حادثة أخرى ليستنتج أن الفرس الصفويين قاموا بالأمر ذاته بعد آلاف السنوات، فيخبرنا أن الملك الفارسي كورش شن حربا دعائية ناجحة للتشهير بالملك البابلي لانتهاكه حرمة معابد الآلهة وليقفز من هذا الخبر آلاف السنوات فيكتب (وبهذا النص يكون – قد ولد؟ – أول إدعاء فارسي بحماية حرمات المعابد والمراكز الدينية قد ساعد على الاحتلال أو انه كان تبريرا له وقد اتخذ هذا الطريق نفسه الصفويون في عام 1501 م عند ظهور الشاه إسماعيل الصفوي واحتلاله العراق عام 1508 م). فما العلاقة بين الأمرين على افتراض صحة وقوعهما؟

مثال آخر على عبث حسن العلوي وجهله بالتاريخ، بل وحتى على انتهازيته السياسية، نجده واضحا في اعتباره الغازي الإغريقي الاسكندر المقدوني، الذي احتلت جيوشه العراق بعد أن هزم الجيوش الفارسية بقيادة الملك دارا، محررا لا فاتحا، ويخبرنا أن الاسكندر استقبله الشعب البابلي بالمزامير والهتافات المبتهجة، بدلا من النظر إليه وإلى دارا كغازيين لا فرق بينهما ودولتين متصارعتين على خيرات العراق، ولو استعملنا طريقة حسن العلوي البحثية \”الرشيقة\” هذه لقفزنا، نحن أيضا، من حالته هذه إلى حالة شبيهة بها وتعود لأحد الخدم الإعلاميين للغزاة الأميركيين هو المدعو كنعان مكية الذي دعا العراقيين علنا إلى استقبال \”المحررين الأميركيين\” سنة 2003 بباقات الزهور والهتافات والغناء (ومعروف أن الأمر لا يتعلق بكنعان مكية فقط بل شاركه العديدون من رجال \”شرطة الاحتلال الثقافية\” من رؤساء تحرير صحف بول بريمر والمشتغلين بالقطعة والساعة لدى مجلس إعماره والعجيب أن بعض هؤلاء أخذوا يتطاولون كثيرا هذه الأيام، بل وصاروا يرفعون الصوت، ويفاخرون بنجاساتهم ويعرضون بمواقف الوطنيين من رافضي الاحتلال والطائفية ومؤيدي المقاومة!) غير أن براءة الاختراع هنا تعود \”بجدارة\” لحسن العلوي أيامَ كان صداميَّ الولاء يخفق قلبه للاسكندر المقدوني قبل أن يتحول لاحقا إلى مستشار ثم نائب لمن صفقوا وتحالفوا مع أحفاد المقدوني أي المحتلين الأميركيين.

اللافت، هنا، هو أنّ حسن يقول الشيء ونقيضه أحيانا فهو يكتب (كان احتفاء البابليين به – بالاسكندر – مظهرا من مظاهر ردود الفعل السلبية تجاه السياسة الفارسية في العراق والتي جلبت عليه الخراب والتدمير) ولكنه يعلق في الهامش على ما قاله الحاكم الفارسي كورش الذي احتل العراق قبل الاسكندر من أن الإله مردوخ والإله نبو أرسله ليحرر العراق يعلق على ذلك بالقول إن هذه الصيغة تتكرر في بيانات المحتلين الذين كان آخرهم الجنرال مود وبيانه المعروف / هامش 1 على ص 28) فلماذا يجوز للاسكندر الغربي ما لا يجوز لكورش الفارسي مع أن كليهما محتل أجنبي آري؟ أحرام على كورش حلال على الاسكندر؟ أما كان الأولى والأصح رفض الغازيين الأجنبيين كورش والاسكندر وتراثهما الاحتلالي كله؟ هنا نضع أيدينا على أحد مداميك الفكر العنصري والطائفي العراقي وهو أنه نظر وينظر غالبا إلى المحتل والغازي الغربي كصديق ومحرر أما المحتل والغازي الشرقي، وخصوصا إذا كان من طائفة غير طائفة الحاكم، فهو عدو أبدي!

في الفصل الثالث يدخل حسن العلوي معركته الرئيسية وها هو يعنون هذا الفصل بالكلمات التالية (فرس وعرب.. مجوس ومسلمون) ولأن هذا العنوان لم يرو غليله كما يبدو، زاد حسن وثبت عنوانا آخر لهذا الفصل يقول (نشاط باطني ملتهب)، وقبل أن نبدأ بقراءة الآتي من كلام المؤلف نشير عرضا إلى أنه من \”أسرة شيعية وعلوية\” ولكنه هنا يفكر ويكتب كبعثي صدامي تماهى، ليس مع الفكر البعثي التقليدي بركائزه النظرية والمعرفية المشهورة، بل مع العنعنات الطائفية التي يزوغ إليها ابن الطبقة الوسطى حين يتنازل عن عقله وشخصيته لسيده وولي نعمته وشيخه الطائفي.

يلاحق حسن العلوي خرافته العنصرية حول العداء الأبدي بين العرب والفرس المجوس حتى حين لم يكن العرب أو الفرس المجوس قد وجدوا وتجسدوا إناسياً أو حضارياً وصولاً إلى عهد صدام حسين. لنبدأ معه من تميزه بين الحروب التي يسميها \”حروب نظيفة\” دارت بين الطرفين قبل الإسلام والحروب التي دارت بعد معركة القادسية وانهيار الإمبراطورية الفارسية ودخول الفرس في الدين الإسلامي بشكل جماعي فهو يكتب عن حروب ما بعد الإسلام (أما الحروب الجديدة أي ما بعد ظهور الإسلام بين العرب والفرس \”…\” فإنها لم تكن على مستوى ولو قليل من أخلاق الحروب العلنية.. لقد تغلغلت الأهداف الفارسية تحت طيات العمائم السرية تأكل المجتمع الجديد كما تأكل الأرضة الخشب) حسن العلوي هنا ينحاز للفرس الوثنين والمجوسيين في حروبهم \”النظيفة\” ضد العرب والتي كانت – استنباطا من كلامه – على مستوى عال من أخلاق الحروب ويهجو ويذم الحروب الذي خاضها الفرس بعد أن أصبحوا مسلمين ووضعوا العمائم وتحتها أهدافهم الشريرة.

لا يمكننا طبعا، من الناحية العلمية والتاريخية، نكران وجود أية أهداف سرية أو مشاعر قومية كامنة لأمة هزمت في الحرب ودمرت إمبراطوريتها في ثنايا الأحداث والحروب التي تلت معركة القادسية ودخول الفرس في الإسلام كأمة، إنما لا يمكننا، مع ذلك، الموافقة على هذا الهراء العنصري المفكك لحسن العلوي وأمثاله فهم لم يقدموا دليلا ماديا تاريخيا واحدا على ما ذهبوا إليه بل يكتفون بالإنشاء والشتائم وحملات تكفير أمة مسلمة بكاملها واعتبارهم \”مجوسا وحشرات أرضة تأكل خشب المجتمع الجديد\” لا أكثر. من جهة أخرى يتغاضى الكاتب أو ربما يجهل أن عمر التشيّع في إيران ووضع العمائم أكثر قليلا من خمسة قرون فقد بدأت إيران تتحول مذهبيا إلى التشيّع في عهد الشاه إسماعيل الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي، أما قبل ذلك فكانت على المذاهب السنية المعروفة طوال القرون التي تلت السابع الميلادي الذي حدثت فيه معركة القادسية وحتى السادس عشر، ولم يكن للشيعة وجود إلا في مدينة قم التي تحتضن مرقد فاطمة المعصومة ابنة الإمام الشيعي موسى الكاظم، وفي إقليم عربستان أي أن الشيعة الأوائل في إيران هم من عرب العراق القادمين من عاصمة التشيع الأولى الكوفة (والعجيب هو ان هذه المعطيات يعلم بها حسن العلوي ويوردها في كتابه \”الشيعة والدولة القومية\” ص 20) وعلى هذا يغدو كل حديثه عن \”العمائم الفارسية السرية وحشرات الأرضة\” سيعني الإيرانيين في طورهم الإسلامي السني والعرب الشيعة وليس الفرس في الجنوب الإيراني وهذا منتهى الجهل والابتذال.

وفي جزء آخر من هذا الفصل عنونه حسن بالكلمات التالية (المجوس يلبسون العمامة / 38) يعود المؤلف إلى واحدة من أشهر الأساطير الطائفية والعنصرية التي حيكت للنيل من التشيع كمذهب إسلامي كسائر المذاهب ومن الشيعة كطائفة هي الثانية بعد السُنة من حيث الحضور السكاني، ألا وهي أسطورة \”اليهودي عبد الله بن سبأ\” الذي يعتبره غلاة الطائفية (مؤسس التشيع الحقيقي الهادف إلى ضرب الإسلام ونخره من الداخل). ورغم أن الخوض في الأمور الفقهية البحتة أو التاريخية السيرية ليست من اهتماماتنا الأساسية وليس من المشمولات الحصرية لهذه الدراسة، ولكننا سنكتفي بعرض بعض ما نعتبره أهم ما طرحه المؤلف بهذا الصدد مع تعليقات ضرورية عليه، وسنناقش في الجزء القادم من هذه الدراسة، وهو السادس، أسطورة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي يزعم حسن العلوي أنه مؤسس التشيع والمذهب الشيعي لضرب الإسلام من الداخل والرد العلمي الذي رد به طه حسين على أصحاب هذه الأسطورة المتهافتة، ثم نناقش تشكيك حسن العلوي بحديث الغدير وسنقدم ثَبتاً بأكثر من عشرين مصدرا من مصادر أهل السنة والجماعة تؤكد وتعترف بصحة هذا الحديث، ولن نأتي بأي مصدر من الجهة الأخرى \”الشيعة\”، وسنتابع بعد ذلك حملة حسن العلوي ضد الشيعة والتشيع حتى نهاياتها. يتبع
* كاتب عراقي

إقرأ أيضا