ديمقراطية أكبر من عمرها

بسبب حداثة التجربة الديمقراطية في العراق يعتقد العراقيون أن سلطة رئاسة الوزراء أهم وأعلى في الصلاحيات من سلطة البرلمان، ولهذا ينساق الإعلام العراقي المبتدئ خلف هذا الوهم ويدخل في سجالات ساذجة عن مخاوف \”الولاية الثالثة\” أو عن \”ديكتاتورية\” مفترضة تستتبع بقاء رجل واحد في منصب رئاسة الوزراء لعدة دورات انتخابية.

وثمة أفكار ضحلة أخرى، لعلها نابعة من حداثة التجربة السياسية أيضا، أو من جهل شعبي بقوة التغيير الذي يمكن أن تحدثه الديمقراطية دون ضجيج، ثمة أفكار تقول بإمكانية تكرار الدكتاتور في العراق، أفكار تدفع نائب رئيس الوزراء صالح المطلق إلى اتهام رئيس الوزراء نوري المالكي بالدكتاتورية. ومع ظننا بخفة هذه الأفكار إلا إنه من الممكن أن نسأل عن احتمالات ولادة دكتاتور جديد في العراق، وهل يمكن أن يصبح المالكي دكتاتوراً لو استمر في موقعه الحالي لولايات قادمة ثالثة ورابعة وخامسة؟

هي أسئلة بسيطة ومخاوف مشروعة من احتمال عودة الدكتاتورية، لكن العارف بأسرار الحكومات الديمقراطية يدرك باطمئنان تامّ أن صوت البرلمان فيها هو الصوت الأعلى، وأن قراراته فوق كل القرارات، وأن رئاسة الوزراء ما هي إلا أداة دستورية طيعة في يد التشريعات البرلمانية المستندة إلى حكم القانون وأسس الدستور، ولأجل هذا فإن من غير الممكن أن يعلو صوت السلطة التنفيذية فوق صوت السلطة التشريعية، بل إن صوتاً واحداً قوياً وعادلاً تحت قبة البرلمان قادر على تعطيل دور رئاسة الوزراء بأكملها، وإيقاف أي وزارة فيها عن العمل، بل باستطاعة صوت واحد أن يحث البرلمان على سحب الثقة من الحكومة (التنفيذية) حين تخالف القانون أو تعتدي على الدستور، لأن الدستور هو هوية الشعب. ولكون البرلمان هو إرادة الشعب متمثلة بنوابه، وإن الديمقراطية هي حكومة الشعب، وهي شكل من أشكال إدارة البلاد، تكون فيها السلطة العليا بيد الشعب، يمارسها بشكل مباشر أو بواسطة ممثلين منتخبين عبر نظام انتخابي حر ونزيه.

ولقد مارس العراقيون هذا الحق الديمقراطي في الانتخابات الأخيرة، واستطاعوا رغم كل الفتاوى الدينية التي حرمت انتخاب جماعات حزبية دون غيرها، أو التي حرمت انتخاب العلمانيين مقابل انتخاب المتدينين، من تغيير قرابة نصف عدد نواب البرلمان، بما يعني تطورا كبيرا في الوعي الشعبي، وازدياداً مطّردا بثقة الشعب بنفسه وبإمكاناته في صناعة الحكومة التي تخدم مصالحه وتحقق طموحاته وتحفظ ثرواته وكرامته.

بمقابل ذلك سيتوصل البرلمانيون عاجلا أو آجلا إلى قناعات موازية لقناعات الشعب تفيد بأن أمر وصولهم إلى البرلمان، واستمرارهم فيه، أو خروجهم منه، كلها بيد الشعب، وإن كان الشعب اليوم، ولحداثة التجربة الديمقراطية، غافلا عن السبل التي من خلالها ينحي أي برلماني عن منصبه ولو بعد أشهر قليلة من وصوله للبرلمان، فإنه سيعرف، حين يألف الديمقراطية أكثر، أن وسائل التغيير كلها متاحة في الدولة الديمقراطية، وأن بقاء البرلماني في منصبه يحتاج كل يوم إلى موافقة شعبية، وأن الانتخابات ليست بيعة دينية مقدسة لا يمكن الفكاك منها.

الديمقراطية في العراق تبدو اليوم أكبر من عمرها، ولهذا ما من خوف على الديمقراطية العراقية، وإذا ما استمر وعي الناخب على هذا المنوال، فإن ثقة العراقيين بقدرتهم على عدم انتخاب الشيخ خالد العطية، على سبيل المثال، ستدفعهم إلى الامتناع عن التصويت لغيره في الانتخابات القادمة، وشيئاً فشيئاً سيكتمل البناء الديمقراطي، وسيجد الشعب نفسه ملزماً بالدفاع عن دولته وهويته وصورته أمام شعوب العالم، وهذا أبرز ما يميز الحكومة الديمقراطية عن غيرها من الحكومات الثيوقراطية، أنها تصحح مسارها باستمرار، وتتجاوز أخطاءها بمرور الوقت، وتجدد دماءها في كل حين، ويكفي الديمقراطية قوة أنها بقوة الشعوب التي تختارها، فالشعوب دائما أقوى من قادتها، أياً كانوا.

إقرأ أيضا