سرد الأقليات (1-2)

لم تكن الهوية، بمعنى الحدود المميزة للجماعة عن غيرها والمتمثلة في الشعر والسرد والتاريخ والفنون الأخرى، معروفة عند العراقيين على الأقل في تاريخهم الحديث الذي بدأ ربما بتأسيس الدولة العراقية على يد البريطانيين في العام 1921 وقيام الملكية باستقدام فيصل وتوليته عرش العراق.

لقد كانت الدولة العثمانية تعمد إلى إذابة الهويات الصغرى المكونة للولايات أو الجماعات الواقعة تحت سيطرتها، في هوية أكبر قوامها الدين الإسلامي. فالخليفة يحكم باسم الإسلام مختلف القوميات التي تخضع له.

وظل هذا الأمر قائما إلى انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الثانية والاستيلاء على ممتلكاتها وتولي الدول الغربية شؤون البلاد التي كانت تخضع لحكم الأتراك، وهو إبدال لم يكن بالسهل، ولم يكن ليمر من دون معارضة على الأقل من المتشددين دينيا. فالقرآن لا يجيز ولاية غير المسلم، ومن هذه الناحية فالأتراك أكثر شرعية من الإنكليز فما الحل؟ الحل هو بعث القومية العربية أو الهوية الفرعية الضامرة وترسيخها عبر التعليم ومناهجه.

 وهو ما حصل في العراق الذي عمل ساطع الحصري فيه، وهو القومي السوري الأصل الذي جلبه معه الملك فيصل إلى العراق، على وضع أسس القومية العربية التي تقوم على الدين والتاريخ واللغة والمصير والجغرافية، لتكون مقاوِمة للهوية الإسلامية، أو ما كان يسمى الجامعة الإسلامية الشعار الذي طرحه أعداء بريطانيا والاستعمار الغربي والميالين للعثمانيين بصفتهم مسلمين.

وإذا كانت هذه الهوية فرعية بالقياس للجامعة الإسلامية أو للصيغة الاستعمارية العثمانية القديمة، فإنها أساسية أو كبرى قياسا بالجماعة التي تتكلم اللغة العربية ويسمون العرب. وهي هوية مضمرة وغير ذات أثر في وضعها السابق تحت سيطرة العثمانيين لكنها فاعلة ومؤثرة بشكل كبير في وضعها الحالي تحت الرعاية الغربية، فلم يكن ينقصها إلا اطلاق يدها لتكون فكرة مدمرة تعود حتى على مكوناتها بالتدمير الأمر الذي سيعزز مشروع التقسيم خلافا لما توهم به القومية من أنها جمع وتوحيد.

فالفكر القومي الذي هو في جوهره استعادي يقوم على التاريخ، وانتقائي يقوم على انتقاء المتماثلات من الحوادث والأشخاص والحقب التاريخية والأقوام والمذاهب والعرقيات، ووضعها في صورة نمطية واحدة يستبعد على أساسها المختلف دون مراعاة للزمن أو المتغيرات التاريخية أو السياق الحالي الذي يتحرك فيه الفكر.. إن ذلك الفكر هو الذي أدى إلى إقامة أنظمة شمولية في أكثر من مكان في الوطن العربي على أساس تفسيرات جزئية جعلت من القومية قوميات أو الهوية هويات وكثيرا ما كانت هويات متعادية.

إن ذلك الفكر حاول أن يقوم بما قام به العثمانيون وما يمكن أن يقوم به أي استعمار من محاولات لصهر المجتمع في هوية واحدة وتغييب أو تذويب أو إبادة الهويات الفرعية وعدم الاعتراف بوجودها وبتاريخها وبحقها في الوطن.

إن ذلك الفكر حاول أن يسكت التنوعات أو الاختلافات التي يمكن أن تشكل سرديات صغرى تعود إلى هويات فرعية مبقيا على السرد والتعبير الذي يعود على الهوية المقترحة الموصوفة بالكبرى ومرحبا به.

وعند هذه النقطة الأخيرة أتوقف بوصفها مدار اهتمامي. فما حصل في السردية العراقية الحديثة مثلا انقسم في مجمله إلى:
سردية رؤيوية فيما عرف بقصص الرؤيا التي ظهرت في العقد الثاني من القرن العشرين على يد عطاء أمين وكانت تقوم على فكرة أساسية تقول إن النهضة لن تكون إلا بالعودة إلى ماضي العرب المجيد.

سرديات الإيقاظ. وظهرت زمنيا في فترة قصص الرؤيا على يد سليمان فيضي في روايته \”الرواية الإيقاظية\” وهي أيضا تحاول أن تقدم حلا لمأزق العراق الحضاري والإنساني والسياسي يمكن أن يختصر بالعودة إلى الماضي العربي المجيد الزاهر، وبالتخلص من كل ما يسبب الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد وخاصة الاختلاف المذهبي. والفارق بين الإيقاظية والرؤيوية أن الثانية تقوم على اختلاق حلم والتخفي وراءه خوفا من الرقابة السياسية العثمانية التي كانت تمنع الكتابة الإصلاحية أو الإنهاضية.

سرديات الإصلاح الاجتماعي وتتضمن تصويرا لمشكلات المجتمع المتأتية من التقاليد البالية وظلم المرأة أو الجهل. وهذه القصص تسمى الاجتماعية الانتقادية، وهي تعلن صراحة مشكلات المجتمع وطرق إصلاحها لتحقيق النهوض، وهي تستمد مقولاتها من الفكر أو التوجه اليساري الذي قوي في تلك الفترة. فمحمود أحمد السيد وهو من أوائل القصاصين في هذا الاتجاه بقصص متعددة من أشهرها \”جلال خالد\” 1928 كان متأثرا بحسين الرحال اليساري العراقي الرائد الذي درس في الغرب وعاد بأفكار غريبة على المجتمع العراقي بثها عبر مقالاته وعبر تأثيره في أصدقائه من الكتاب والمثقفين. والتوجه الإصلاحي توجه ذهني يتعالى على الواقع وينظر إليه بمنظار الصواب والخطأ وفي القصة يميل إلى إظهار ما يعده خطأ، وهو لا ينظر إلى الهويات ولا يعترف بالمحلية ولا يقف عند التنوع، بل لعله أقرب إلى الشمولية في ما يطرح من تصورات للتقدم وللمجتمع المزدهر الناجح.

سرديات الذات اليائسة من الإصلاح ومن المجتمع ومن التغيير المنطوية على نفسها تحاول من خلال القصة أن تقدم تصوراتها وأفكارها ورؤاها للإنسان والحياة والمجتمع. وإذا كانت هذه القصص شكلت بداية تطور القصة العراقية وتأثرها بالأساليب العالمية في السرد فإنها كانت بداية الانفصال عن الواقع وعن القارئ، فهي لا تعبر إلا عن هموم الكاتب وأفكاره، ولا تنظر إلا إلى الجانب المظلم من الحياة والطبائع البشرية، وهي مثل سابقتها التي بدت إيجابية بالنسبة لها، لا تقيم وزنا للتنوع ولا للهوية.

وبذلك تكون القصة، عبر مراحلها التي بدا أنها بشكل أو بآخر نشأت في أحضان القومية العربية التي تصادف بروزها مع الاحتلال البريطاني وتم احتضانها من الدولة العراقية الوليدة وترسيخها عبر التعليم، مسايرةً وموافقةً للفكرة القومية وداعمة لها ومغيبَة، من دون وعي منها، لأية هوية صغرى من شأنها أن تقاوم على المدى القريب أو البعيد التوجه القومي المتصاعد.
يتبع

إقرأ أيضا