سرد الرؤيا قديما وحديثا

ارتبطت رواية الرؤيا في السردية العربية الحديثة بنقد المجتمع الذي لم يكن يجرؤ الكتّاب على نقده خاصة في جوانبه الدينية والسياسية.
وتعود قصص الرؤيا إلى ما يعرف في الأدب القديم بالمنامات وفيها يرى الراوي مناما متكاملا وذا دلالة يرويه في يقظته. ومشهورة منامات الوهراني.

وفي المقابل تتضمن الأخبار القديمة أحيانا، رؤيا غالباً ما تتصل بالنبي الذي يأتي للشخص مبشرا بشفاء من مرض معجز أو بقضاء دين.

وهي رؤيا لا تخرج عن تعضيد الشخصية الرئيسية في الخبر والرفع من مكانتها. فهي مبشرة ومقربة من النبي، كتلك المرأة العلوية التي تتعرض لشلل يقعدها فتصل حد الياس من حالاتها وترجو أن تموت فلا تكون عبئا على خادمتها التي أصبحت تتململ منها..

غير أن النبي يزورها في منامها فيأمرها بالحركة والمشي ويبشرها بعودتها صحيحة. وحين تستيقظ تجد نفسها صحيحة كما جاء في رؤيتها.

خبر الرؤيا هذا يكرس الجو الغرائبي الذي كان مُغلِفا لعقلانية وواقعية الخبر العربي.
وهو، أي الخبر عموما، تمثيل للواقع المعاش. فهو واقع حاد وقاس ولا رجاء منه للإنسان الذي يكون فيه معلولا علة لا شفاء منها كما هي العلوية المسكينة. غير أن ذلك الواقع تحديدا هو ما يستدعي أكثر حضور الغيبي والديني بوصفه المخلص والمنجي عاجلا أو اجلا.

فالخبر يتوزع بين التأكيد على قسوة الواقع وشدته وبين رحمة السماء وعدلها. مشيرا إلى احتمال تلاقيهما أي الواقع والرؤيا (كما في خبر العلوية السابق) بما يحقق الخلاص للفرد وللمجموع. وعلى القارئ دائما أن يتوقع وينتظر تلاقيهما.

وبالعودة إلى قصة الرؤيا الحديثة فإنها تجتث الجزء الواقعي كليا، فالواقع مجال النقد والرغبة في الإصلاح الذي ستقوم عليه الرؤيا التي ستشكل بدورها العالم السردي كله.

فقصة الرؤيا هي عبارة عن رؤيا تبدأ بغفوة تأخذ الراوي وتنتهي بيقظته، وخارج الغفوة واليقظة الواقع هو الواقع بسوئه وتقهقره وتأبيه على الإصلاح. أما ما بين الغفوة واليقظة فعالم آخر لا يشبه الواقع، وكشف لأسباب تأخر المجتمع، وحلول لنهضته وتعافيه.

ذلك ما نجده في قصة \”المال حاكم\” المنشورة العام 1914 في مجلة لغة العرب كما يشير إلى ذلك يوسف عز الدين في كتاب الرواية في العراق (الصفحات: 29-32).

وفيها يغفو الراوي فيجد نفسه في مدينة فخمة يسير فيها إلى أن يصل إلى قصر عجيب فيسأل أحد الحراس عنه فيقول له إنه للملك ويستطيع أن يراه إذا ما انتحى جانبا منتظرا خروجه. وحين يفعل يخرج رجل مهيب يؤدي له الحرس حركات منتظمة إلى أن يقف في مكان مخصص له من المدينة ويخطب في الجماهير وبعد أن يفرغ يهرول إليه الراوي فيسأله عن سر هذا العمران والرقي فيقول إنها مجموعة أمور منها:
توفير النفقات وتدبير المعاش
السعي وراء شق الأنهار وتحسين أمور الزراعة وتوسيع أبواب التجارة.
بث العلم بين أكابر الناس وأصاغرهم لأنه أساس الصناعة التي هي مجلبة التجارة.
مساعدة الأهالي المعوزين بالمال وبجميع الذرائع التي تمهد لهم سبل السعادة.
نشر ألوية الآداب الصحيحة والفضائل القويمة وقطع دابر الفساد.
فهذه نصائح الملك للرائي وعليه أن يعود بها إلى بلاده في شكل مروية.

ولكن من أي البلاد انت؟ يسأل الملك الراوي، فيقول من العراق. فيرد متأسفا: كانت مدينة العلم والتجارة والصناعة والفن ولكنها اليوم بلد الرزايا والبلايا وخيانة الدهر وإنها لميؤوس من صلاح حالها. ولذا، والكلام لا زال للملك، ظعنت عنها ونزلت ديار الافرنج واتخذتها مقرا لي.

ويبدو أن الرائي يتفق مع الملك عراقي الأصل على اليأس من حال العراق، ويريد أن ينسل إلى مدينته ويبقى فيها غير أن أحدا دفعه فصحا، وصار يبكي سائلا الله أن يرحم بعباده ويقيم لهم رجالا ذوي حزم وعزم ((ليعود إلينا طائر العمران)).

تبدو قصص الرؤيا الحديثة، خلافا لسابقاتها في السردية العربية القديمة التي كانت تعقد على الغيب الآمال، يائسة من إصلاح الواقع. فالإصلاح يحتاج إلى رجال حكماء ساسة مدبرين لا إلى وعي به. فأسباب التراجع معروفة والحلول معروفة ومصرح بها في القصة، ولكن من يقوم بالإصلاح؟ تلك هي المشكلة التي جعلت الرائي يتمنى لو أنه لم يعد من الحلم فيظل في العالم الذي رآه أو تخيله أو تمناه. وهو كما يبدو بلد من بلدان الغرب المتقدم.

إقرأ أيضا