سورية وثمن الاستقرار في الأردن

لا تبدو المنطقة في صراع محموم بين التسويات الموضوعية والانفجار الكبير الذي يهدّد الدول والأنظمة برمّتها في ظل تطورات متسارعة وتحولات غير متكافئة يلعب فيها كل فريق أوراقه المستورة والمكشوفة في مشهد يؤكد جملة معطيات بدأت مع الاختلاف حول التأييد للانضمام الأردني للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية \”داعش\”، وبين رفض الانضمام. وأسباب الرفض جاءت معظمها حول نقطة أن هذه الحرب ليست حرب الأردن، وبند آخر يتحدث عن سيناريو تمثيلية داعش برعاية أمريكية، بينما وافق آخرون على الانضمام ومحاربة داعش حماية لمصالح الأردن.

 

الأردن اليوم هي الأكثر الدول قلقاً ورعباً من ظاهرة \”الدولة الإسلامية\” وتقدمها العسكري السريع، وحالة الإعجاب التي تحظى بها في أوساط بعض الشباب الأردني المحبط، فلم يكن من قبيل الصدفة مشاركة الملك الأردني في قمة الناتو التي عقدت في ويلز البريطانية، وان يعلن حالة الطوارئ القصوى في صفوف قواته، وتعزيز من هو موجود منها على الحدود مع العراق للتصدي لهذا الخطر، وبالتالي لا يختلف محللان على أن الخطر على الأردن مرتبط بمستقبل المعركة مع التنظيم على أرض سورية والعراق، فإن تم دحر التنظيم هناك، فسيكون الأردن بأمان، وسيختفي التعاطف مع التنظيم وتنحسر أي امتدادات محتملة فيه، والعكس صحيح، أي أن المعركة لاستئصال \”الدولة\” هي معركة الجميع، وهي بالطبع معركتنا قبل الغرب والولايات المتحدة.

 

في إطار ذلك يجب أن لا ننسى أن \”داعش\” هو اختراع أمريكي لم تتعرض له أمريكا أبداً، ولكنهم عندما خرجوا عن الخط المرسوم لهم قررت أمريكا التخلص منهم، فنحن نتكلم عن تنظيم واضح الملامح، ويبدو أن الحملة الأمريكية هي في سياق استكمال هدف تقسيم العراق، بالإضافة إلى تقسيم سورية الذي قد يكون حلاً وسطاً بعد فشل كل المحاولات للقضاء على النظام السوري. ومع تسارع الخطوات الدولية للحرب المزمعة على \”داعش\”، ووضع اللمسات الأخيرة على دور الأطراف في هذه الحرب، وخاصة دول جوار سورية والعراق، ودورهم الأساسي لوجستياً  وإستخبارياً على اعتبار الموقع الجغرافي، يبرز السؤال عن ماهية الدور الذي سيلعبه الأردن في الحرب المزمعة، وخاصة مع رفض عمان الكشف عن ماهية المباحثات التي أجراها الملك الأردني على هامش مشاركته في قمة دول الناتو، والتي أعلن في سياقها إنشاء التحالف الدولي لمحاربة هذا التنظيم؟

 

فبالرغم من تقديم عمان خطة عسكرية لضرب \”الدولة\” خلال مشاركة الملك في قمة الناتو، فإن التصريحات الحكومية جاءت متباينة في طبيعتها، فرئيس الوزراء هناك قال في تصريحات صحفية إن بلاده ليست عضواً في التحالف الدولي، مؤكداً أن الأردن \”لا يخوض حروباً نيابة عن أحد\”، وبعد فترة وجيزة، اختلف حديث الناطق باسم الحكومة، عن رئيسه، إذ أكد، أن تنظيم \”الدولة\” يستهدف الأردن بموجوداته ومقدراته وسكانه، وأن بلاده تعمل على تحصين نفسها من منظومة الإرهاب داخلياً وخارجياً، وتقوم بالتنسيق والتواصل الدائم والمستمر مع الدول الشقيقة والصديقة لمواجهة الإرهاب، وسيتم إعلان ذلك في الوقت المناسب.

 

هناك مكاسب عديدة للمشاركة في التحالف الدولي، إذ تعتبر فرصة ذهبية نادرة يرسم الأردن من خلالها دوراً قيادياً جديداً كمتصدٍ للفكر المتطرف الذي يدمّر وسطية الدين، بالإضافة الى أنه يصبح منطقة عازلة أو أداة تأمين بين ما تبقى مما تسمى \”قوى الاعتدال\” مقابل التطرف والراديكالية، وقد توقف هذه المشاركة تراجع دور الأردن الإقليمي لأكثر من عقد بسبب انشغاله بمسرحية \”سراب حل الدولتين\”، كما أن الانخراط في هكذا حملة يجب أن يجلب معه دعما مالياً \”سخياً وكبيراً\” مستداماً يساعد على انقاذ الوضع الاقتصادي الكارثي للمملكة، والاستثمار في مشاريع تخلق فرص عمل، فعلى سبيل المثال قررت السعودية صرف مليار دولار إضافيا للمملكة، نصفه لدعم الموازنة العامة، والنصف الآخر لتمويل أنشطة متعلقة بتدعيم الحملة على \”داعش\”، وبالمقابل هناك محاذير من الانضمام الى هذا الحلف، فانخراط المملكة قد يفتح الباب أمام تسلل عناصر \”داعش\” ومن يحمل فكره في الداخل، بمن فيهم \”خلايا نائمة\” أو متأهبون للدفاع عما قد يرونه حرباً أمريكية على الإسلام، وقد يعرّضون الأردن لمخاطر إرهابية شبيهة بالتفجيرات الثلاثية ردا على دعم الأردن للحملة ضد \”القاعدة\” فضلاً عن إنه سيكون الشرارة لتقسيم المجتمع وإضعافه من الداخل، ومن هذا المنطلق تعمل الأجهزة الأمنية ضمن إستراتيجية استباقية لمراقبة جيوب التمدد الداعشي في الأردن، والحواضن الاجتماعية لهذا الفكر المتحجر، وبالمقابل وضع الأردن إستراتيجية للتعامل مع الفكر التكفيري من خلال المدارس والمساجد، ومحاورة الجهاديين داخل السجون، لمحاربة الفكر بالفكر.

 

العالم العربي يواجه انتكاسة في الحريات السياسية، وتشويها في التعليم والثقافة، جميع تلك العوامل تحفز التطرف والإرهاب والتكفير التي باتت أكبر خطر يهددنا، كما تؤجج النزاعات والهوس الديني، وتمزق الهوية الثقافية الوطنية في غالبية أقطارنا، وتوقظ أطراً بدائية للانتماء كالقبيلة والمذهب، لذلك تحتاج هذه المنطقة أكثر من أي وقت مضى لتحقيق إصلاحات متعددة سياسية وحكومية واقتصادية وثقافية وتعليمية تصلح ما أفسدته عصور الاستبداد، وتفكك التكلسات الفكرية المحفزة لفكر \”القاعدة\” وأيديولوجيا \”داعش\”، لذلك فإن العالم العربي اليوم أمام مفترق طرق، إما التقوقع في أجواء العصور الوسطى، أو الانتقال الى مستقبل أفضل بخطى ثابتة، من خلال رفع راية التعددية.

 

باعتقادي أن الحلف الذي أنشئ بقيادة أمريكية، لن يكون سوى إحياء للحرب الباردة، فأمريكا إذا أرادت القضاء على داعش فإنها يجب أن تأخذ قرارات مهمة وليس من خلال الحلف الذي أنشئ، فعلى أمريكا أن تضع يدها بيد الدولة السورية، وتطلب من تركيا أن تغلق حدودها سواء بإدخال المسلحين أو إخراج البترول وبيعه بعائدات لداعش، ومنع الخليجيين من تقديم الأموال لداعش.

 

وفي الوقت الذي لا تلوح في الأفق إمكانية انتهاء الحرب في سورية، ستستمر الأعداد المتزايدة للجهاديين السلفيين الأردنيين وحركتهم العابرة للحدود، ناهيك عن حركة سائر المقاتلين الأجانب الآخرين في المنطقة، الذين يشكلون تهديداً للمملكة بشكل مستمر ومتزايد.

 

* د. خيام الزعبي: باحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا