سيناريوهات مستقبل العلاقة بين سوريا وتونس

إن تحديد تاريخ معين لبداية العلاقات السورية التونسية ضرب من المستحيل لا يمكن إدعاؤه، بل أن هذه العلاقات قامت على مر العصور ومختلف الأزمان، حيث شكلت معالم الجغرافيا المتوسطية ومياسم العروبة وأبعاد الهجرة المتبادلة وجوانب الاقتصاد حجر الزاوية في العلاقة بين تونس والشام، إذ أن عدداً من التونسيين الذين التحقوا بالجهاد في فلسطين أو خاضوا حروب التحرير مع الجيوش العربية ضد الكيان الصهيوني اختاروا بالأخير الاستقرار في سوريا، وهو الأمر الذي جعل من تعداد الجالية التونسية في سوريا يزيد عن 6 آلاف تونسي يقطنون أماكن عديدة.

 

إلا أن انعطافاً خطيراً شهدته العلاقات الثنائية بعد اندلاع الثورة في تونس ووصول حركة النهضة إلى سدة الحكم في البلاد، إذ كانت أولى قرارات حكومة النهضة – الحليف القوي لقطر ولتركيا – بعد نيلها ثقة المجلس التأسيسي قطع العلاقات الثنائية التاريخية بين تونس وسوريا وسحب السفير التونسي من دمشق واعتبار السفير السوري في تونس غير مرحب به ودعوته إلى مغادرة البلاد.

 

وبمفهوم الزمن والتاريخ والثقافة والحضارة لن يكون التوتر في العلاقات بين البلدين سوى استثناء وغيمة صيف في سماء العلاقات الرحبة والجذرية والإستراتيجية بين البلدين، لذا لا بد من عودة العلاقات بين الشعب الواحد في سوريا وتونس، خاصة أمام تعالي الأصوات المنادية بضرورة إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، ومعالجة هذا الملف الذي تسببت فيه الحكومة السابقة برئاسة حركة النهضة الإسلامية، كون إن كلا البلدين لهما وزنهما وأهميتهما في المنطقة العربية، إذ يجب أن تبقى سورية وتونس على وئام ووفاق إنطلاقاً من استيعاب دروس التاريخ وعبره.

 

من جهتها، كشفت المستشارة السياسية والإعلامية لرئاسة الجمهورية السورية بثينة شعبان، عن ورود أخبار من تونس مفادها تفكير الحكومة التونسية في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وإعادة سفيرها إلى دمشق، مؤكدة ترحيب سوريا بقرار عودة العلاقات الدبلوماسية معها دون شروط، لأنّ سوريا وفق تعبيرها \”تراهن على الشعب العربي في مختلف أقطاره\”، مشيرة إلى أنّ \”موقف الشعب العربي في تونس هو مع سوريا ومع الشعب السوري\”.

 

وعلى ضوء ذلك يمكن أن أضع سيناريوهين لاتجاه العلاقات السورية التونسية بناء على مدى تأثرها بمتغيرات البيئة العربية والإقليمية والدولية هما:

السيناريو الأول: استمرار الفتور في العلاقات السورية التونسية، إذ أن هذا السيناريو مرتبط باستمرار حالة الخلل في التوازن على كافة المستويات الإقليمية والدولية، ويستند على العمل على غرس مظاهر التشتت والفرقة في الواقع العربي وغياب مظاهر التعاون والتنسيق بين الدول العربية.

 

السيناريو الثاني: إعادة تمتين وبناء العلاقات السورية التونسية واتجاهها نحو التنسيق والتعاون، وهذا السيناريو مرتبط بخصوصية العلاقات السورية التونسية وتميزها انطلاقاً من استمرارية العمل والتنسيق لمواجهة التحديات  داخل البلدين على كافة المستويات. ويستند هذا السيناريو إلى إقامة علاقات واسعة من التعاون والتنسيق متعددة الجوانب. وفي إطار ذلك أرى أن السيناريو الثاني هو أكثر الاحتمالات حدوثاً وذلك لتوفر كافة الأسس التاريخية والموضوعية لتحقيقه.

 

وهنا يمكنني القول إن العلاقات السورية التونسية وضعت على السكة الصحيحة وإن الاستمرار في تطويرها مسؤولية الجانبين معا وهي تخدم الشعبين والبلدين وتسهم في استقرار المنطقة وتقوية الموقف العربي في وجه التحديات المختلفة، وهناك فرصة جيِّدة وجديّة لترجمة النتائج والتفاهمات والتصوّر المشترك بينهما التي يمكننا من خلالها رسم صورة لمستقبل العلاقات السورية التونسية في ضوء المعطيات الراهنة.

 

وأخيراً ربما أستطيع القول إن تطور العلاقات السورية التونسية هو الذي يستطيع الآن أن يقيم توازناً جديداً وأن يحدث تغييراً مهماً في معادلة إدارة الصراعات في المنطقة، ورغم التطور في المواقف وطبيعة العلاقة التونسية السورية، يبدو أن قرار إعادة العلاقات الدبلوماسية رسميا مع سوريا سيأخذ وقتا إضافياً وخطوات بطيئة، على اعتبار أن البناء أصعب من الهدم.

* كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا