شباك التذاكر

في طريق عودتي الى المنزل، مررت كالعادة ببناية سينما ميناء المعقل الصيفية المهجورة والقديمة، وكأني أراها لأول مرة. وكأني لم أقض سنين من عمري متسمرا خلف شاشتها العملاقة. أخرجت كامرتي وقد أثارتني بقايا حروف اسمها لازال محفورا من خشب سنديان هندي، حملته البواخر ذات ظهيرة قائضة الى ميناء المعقل. تساقطت بعض الأحرف وصمدت أخريات ليشهدن على عصر جمال غابر. شاهدت في هذه السينما أول قبلة حقيقية في فلم فرنسي لم أعد أتذكر اسمه، فقد كنت في الخامسة عشر من عمري. كنت أبحث عن فلم كاوبوي أو وحوش الفضاء، طرزان الرشيق يتقافز بين الأشجار أو فلم هندي يهزم شاشي كابور فيه عديد أعدائه، لكني وجدت نفسي محلقا في سماء عذوبة غريبة، لم يك ثمة حوار كثير في هذا الفلم الذي عزف أصدقاء الطفولة عن حضوره، كانت هناك موسيقى وصمت وفتاة في بيت قديم يجثم على تلة قصية.

شخصية واحدة كانت في بيت كبير وغرف عديدة، طال إهمال المنزل ولم تعد الأشياء الى أماكنها بعد الاستعمال، بل تركت تتكدس في الصالة وعلى الأثاث، تحت كراسي الصنوبر والصوفا القطيفة بأرجلها الخشبية المقوسة ومساندها التي حفرت على مقابض خشبها رؤوس بجعات، بمناقير مفتوحة، وعيون مطبقة. انكفأت فيما يبدو صور لأطفال ونساء تمتطي خيولا عربية أو هكذا تخيلت فوق رفوف منخفضة عند المدخنة. تقرر الفتاة مغادرة بيت الخشب العتيق فتنشغل بحزم حقيبة واحدة. تنثال ذكريات غريبة لأشخاص صامتين، يتحركون بأرجاء الدار، كأنهم أشباح ثم ينصرفون تحت فعل لملمة الملابس وحشرها في الحقيبة، حتى أن سقط قميص نوم مزركش من يدها ليخرج من خيالها حبيب وسيم، يطبع قبلة طويلة على فمها الصغير. زحزح الفلم من عقلي مفاهيم العنف والبطل القاهر وحلّ بدلها الموسيقى والصمت الخلاق والرغبة والحب.. كان الفلم طويلا، وخلتني نمت مرات ورحت احلم بالفتاة، ببيت الخشب وبالتلة القصية، بالحقيبة وبالمذياع وهو يبث اخبارا من محطة مشوشة. وفيما تقوم الفتاة في الحلم او في الفلم بتعديل القناة عبر الزر المدور الكبير، تعلو الموسيقى من مكان ما من الوجدان ربما او من اللوعة والفقدان. فيخرج أشباح المنزل مستجيبين لنداء الموسيقى، يطوفون حول المنزل بصمت، يتبادلون أحاديث قصيرة ويقضون حاجاتهم. عجوز يجلس على كرسي هزاز من الخيزران البني، فتاة تحدق في بورتريه ماري انطوانيت، كرة صوف تتدحرج من السلم يتبعها قط أسود. وبحركات خفيفة يعلنون انسحابهم وبصمت ايضا، تحملق فيهم الفتاة وتستدير لترمقنا بنظرة كسيرة كأنها تدعونا من الحقيقة لندخل عالمها الضوئي، وننساب من خلال اشعة الجهاز خلف ظهورنا، ننساب فوتونات ملونة عديدة على فراغ حياتها.

الحقيبة مفتوحة والملابس تتكدس. لم يعد من مكان يسع لوحات الحياة الساكنة المعلقة على الجدران، وﻻ فيلة الخشب وﻻ نمر العاج وﻻ فريسته، وهي تنفق برقبة مكسورة بين انيابه.

ﻻ مكان للثريات القوطية وﻻ لمصابيحها المعطوبة، وﻻ لسلاسلها الفضية المدﻻة منذ عقود. والكتب المغلفة بالجلد والقماش ترمق الحقيبة بيأس. كانت تمرُّ على نفائس المنزل جميعها فتحس بملمسها وتضاريس انحناءاتها ومن خلف الخطوط التي تتركها اصابعها على غطاء الغبار بانت بعض من ألوانها.

جلست بقرب الحقيبة او هكذا حلمت. يأست وخارت قواها، فلم يستجب لها شيء في هذا البيت، ﻻ الحقيبة وﻻ الذكريات التي تنتشر سريعا كالراحة كلما لمست شيئا او نظرت إليه، وﻻ المذياع الذي تحجّر مؤشره عند محطة وحيدة غير واضحة ومشوشة وبعيدة.

طلت القبلة من جديد، جاءت من الريح التي دفعت ستان الشباك الكبير. تسربلت من ثنايا القماش. تسربت من جلد الزمن وقد حجرته كائنات العزلة. تسرّبت القبلة على الرغم من الغبار القديم، على الرغم من تعفن الفاكهة في لوحات الحياة الساكنة على الجدران، على الرغم من حيرة الفأر بين صحون البورسلان البونابرتي واقداح الكرستال البافاري، وعلى الرغم من نفاذ قنينة العطر. جرّت الحقيبة من مقبضها وراحت تمشي باتجاه الباب ومازلت ارى الملابس تتساقط منها قطعة قطعة، تهرب من سجن الحقيبة قميصا إثر آخر. من على التلة اختفت الفتاة. من على التلة نثرت الريح ملابسها. تحت شجرة اﻻكاسيا العظيمة مكثت الحقيبة فارغة مفتوحة الفكين. لاح من بعيد ظل الفتاة او هكذا تخيلت. اسودت شاشة السينما وهبطت اسماء وكلمات كثيرة بيضاء من دون موسيقى. فوجدت نفسي خارج المبنى بكامرتي وقد صوبت عدستها باتجاه حروف اسمها، وقد بدت لامعة واضحة فدفعتني موجة من الناس، فتيات يرتدين تنانير قصيرة يتحلقن بشعرهن الطويل حول مجموعة من الوسيمين، صبية ورجال انيقين ببدلات واربطة عنق، يهمون الخطى نحو شباك التذاكر، فالمقاعد محدودة وتكاد السينما ان تمتلئ، والعرض سيبدأ بعد قليل.

* كاتب ومترجم عراقي

أقرأ أيضا