شعب العراق ضحية لظاهرة العنف أم جلاد؟ (5 من 9)

شعب العراق ضحية لظاهرة العنف أم جلاد؟ (5 من 9)

استكمالا لتحليلنا لبعض القراءات المتعسفة في ظاهرة العنف الجماعي والاجتماعي نلاحظ أنّ مؤلف كتاب \”تاريخ العنف الدموي في العراق\”، اتخذ كافة الاحتياطات والتدابير اللازمة بحيث يجهز على الضحية نفسها \”شعب العراق\” ويجعلها تقرُّ وتعترفُ بلسانها بأنها مدانة قولاً وفعلاً، من خلال عمليتيْ غسيل مخ وتقويل سطحيتين.

 

يعلن الكاتب وبشيء من الهدوء العجيب ما يلي (والأمر الغريب والمثير إن العراقيين لم يعودوا يجدون في وصفهم ووصف بلادهم بالعنف والقسوة والدموية أية غضاضة أو منقصة أو إحراج مخجل بل ربما وجد البعض منهم تلك الأوصاف مدعاة للقوة والعنجهية والمباهاة ص15). وهكذا استنطق المؤلف، باقر ياسين، ضحيته وجعلها تعترف، \”بعظمة\” لسانها، إنها مجرمة ومدانة.

 

لنتفحص موضوعة \”أحاديث الناس\”، التي احتج بها صاحب الكتاب، ولكن من وجهة نظر تاريخية علمية هذه المرة وليس من وجهة نظر سطحية تصفيطية. إن النماذج الثلاثة، التي يمكننا النظر إليها بشيء من الثقة بسبب الذيوع والانتشار هي تلك الخاصة بمصر والشام والعراق. ولكننا لسنا في صدد تقديم دراسة تشريحية شاملة للحالات الثلاث، بل سنكتفي بالإشارات التحليلية التي يتسع لها المقام.

 

نسجل في البداية أنّ اقتران ذكر العراق مثلاً بظاهرة العنف، والميل إلى استعماله، لها جذر حقيقي وواقعي، ولكن هذا الجذر التاريخي سببه سلسلة الحوادث العنيفة والتي تصنف إلى الأشكال التاريخية الشائعة: حروب، ثورات، اضطرابات وقد تضاف إليها الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأوبئة والطاعون في حالة العراق.

 

هذا الحشد من الحوادث العُنفية ستكون له آثار على جبهتين: الأولى، هي الجيل المعاصر للحادثة والجيل الذي يليه وبشكل شعوري، وأيضاً بشكل كامن في لا شعور الأجيال اللاحقة. الجبهة الثانية هي الثقافة العامة وذكريات الناس والمخيال الجمعي في المنطقة المحيطة بالإقليم المعني بالظاهرة. بمعنى ما، لا نستطيع تكذيب عربي من الشام عاصر ثورات العراقيين ضد الخلافة الأموية، إن هو حدثنا عن روح الاندفاع والميل إلى العنف عند العراقيين، ولكن هل يعني ذلك أنَّ ثورات وانتفاضات أخرى لم تحدث في الحجاز أو في مصر أو في خراسان وباقي أقاليم الدولة العربية الإسلامية آنذاك؟ وهل يعني ذلك، أنّ أهل الشام، وهم الطرف المقابل في الحادثة العُنفية، لا علاقة لهم بظاهرة العنف بل هم شعب مسالم أو كحد أدنى أنهم أقل ميلاً إلى العنف؟ أسئلة كهذه لابد من التصدي لها والبحث عن أجوبة رصينة لها وليس الاكتفاء بتسليط اللعنات على الطرف الآخر.

 

إن امتداد وكثافة سلسلة الحوادث العنفية والتي كان الشعب، الذي نسميه اليوم الشعب العراقي، ضحيتها، إن هذا الامتداد وتلك الكثافة هو ما يعطي خصوصية معينة، ومعنى معيناً، لهذه الظاهرة في العراق، ولكن من الناحية المعيارية سنجد أنّ عراقييْ الأمس، كما هم اليوم، ضحايا للعنف المسلط عليهم، سواء من طغاتهم المحليين، أو من غزاة خارجيين.

 

وبالمثل يمكن تفهم المثال المصري والذي قام بدور المعلن عنه فاتح مصر وداهية العرب عمرو بن العاص صاحب مقولة \”الدف والعصا\” المشهورة. فماذا ننتظر من قائد جيش قادم من الصحراء، يفتح إقليما ذا حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، لها علومها وفنونها وآدابها كإقليم مصر؟ ماذا نتوقع أن يقال عن شعب محب للحياة، ولتجليات الحياة الأكثر رهافة وجمالا معبرا عنها بمختلف أشكال الفن من رقص وغناء ورسم ونحت؟ ماذا ننتظر أن يقال غير ما قاله عمر بن العاص؟ ولن نبتعد كثيراً فيما يخص المثال الشامي عن النتائج التي يحيل إليها منطق التحليل التاريخي النقدي المعتمد على تفسير الأساس المادي للحياة. فالشام إقليم بحري، غني، عريق، وفير الخيرات. عرف صناعة السفن منذ آلاف السنين، وأنشأ البحارةُ والتجارُ الشاميون الممالكَ والمدنَ التجارية بعيداً عن موطنهم بآلاف الأميال كدولة قرطاجنة، فكيف سننظر إلى شعب يعيش في إقليم كهذا، وما الخصوصيات والظاهرات التاريخية التي يحيل إليها؟ وهل نعتبر حديث (المتاجرة بالسمك وهو في الماء) أكذوبة قادمة من كوكب آخر؟

 

اللافت هو أن مؤلف \”العنف الدموي في العراق\”، وكأنه استشعر ما يقوم به من إساءات تأليفية لشعبه، فقرر ان يسجل التحفظ التالي (إن بحثنا في هذا الموضوع المأساوي المؤلم لا يعني الإساءة للعراق أو التنكر لحضارته العظيمة في التاريخ وليس على حساب إسهاماته الخالدة في الحضارة الإنسانية ص17) ولن نعلق نحن على هذه الكلمات بل نتركها لعقل القارئ النقدي تحليلاً وتقييما.

 

ربما اعتقد القارئ أن الكاتب يرفض بعض المقدمات التي أتينا على ذكرنا في رصدنا التاريخي لظاهرة العنف، وكونها ليست حكراً أو عاهة أو عارا على هذا الشعب دون سواه من شعوب الأرض، وهذا غير صحيح، فالكاتب يعترف بذلك كله، وبما هو أكثر منه، ولكن وفق طريقته الخاصة التي ينطبق عليها المثل الشعبي السائر \”ضربة على الحافر وأخرى على المسمار\”. فهو، مثلا، يقر إقراراً واضحاً بأن (تاريخ الأمم والشعوب حتى في أرقى مستوياتها من التقدم المدني والحضاري والعلمي يبدو زاخراً بالأحداث المترافقة بالعنف والقسوة والهمجية والسلوك الدموي.. ص19) وهو يذهب أبعد من ذلك فيكتب على الصفحة نفسها (وفي العالم قليلة هي المجتمعات التي ينعدم فيها وجود العنف والسلوك العدواني في حياة الناس) أين المشكلة إذاً، إنْ كانت هناك مشكلة؟ هل هي في كلمة \”الدموي\”، التي قرر الكاتب أن تكون الطوطم الخاص بالعراقيين دون سواهم، وفي طابع العنف، والميل إلى المبالغة في العنف وارتكابه. لندع الكاتب يوضح فكرته بنفسه (غير إن ما نجده في تاريخ العراق منذ أقدم العصور وحتى الآن هو أمر مختلف، فهذا التاريخ لا يزدحم بأحداث العنف الدموي والظلم والقسوة الشرسة فحسب بل إن تلك الأحداث والوقائع التاريخية المشحونة بالعنف الدموي تميل على نحو ظاهر للاتصاف بالمبالغة والتطرف والتصعيد اللامعقول في أداء هذه المعاني جميعاً والإيغال في تطبيقها وممارستها إلى الحد الأقصى، أي المبالغة بالعنف الدموي والمبالغة بالقسوة والظلم والمبالغة في الشراسة والدموية. ص1)

 

إن المؤلف يوحد ضحية العنف وهو الشعب العراقي بالظاهرة نفسها أولا، وثانيا بالطرف الذي يرتكبها سواء كان خارجياً كأن يكون غازياً تركياً أو فارسياً أو أمريكياً، أو طرفاً داخلياً كأن يكون  حاكماً مستبداً أو ملكاً أو رئيسا مريضاً نفسياً أو إمبراطوراً قاسياً.  وهدف الكاتب في كل هذا واحد لا يتغير وهو إلصاق ظاهرة المبالغة في العنف الدموي العراقي في النهاية بهذا الشعب.

 

لعل الخلاف انحصر بين الكاتب وسواه من المتكلمين في مشمولات ظاهرة العنف في أنه يركز بحثه في ما سماه المبالغة في العنف الدموي وليس في العنف نفسه، وعلى القسوة والشراسة في العنف العراقي وليس في العنف نفسه. ولكن هل حقاً أن هناك عنفاً يخلو من الدم وآخر يمتلئ بالحليب وثالث يتصف بالقسوة والشراسة ورابع بالرومانسية وعصير البرتقال؟ وكيف سنصف العنف الأميركي الذي قضى على ربع مليون إنسان خلال دقائق بقنبلتين ذريتين ألقيتا على هيروشيما وناكازاكي؟

 

وبكلمات أخرى هل يجب أن ننظر إلى ظاهرة العنف كمعطى خارق ومفارق للتربة التاريخية، تَمَكَّنَ من الدخول في روح وعقل هذا الشعب منذ خمسة آلاف سنة ولن يستطيع الفكاك منه مستقبلاً؟ أم كحَيْث حقيقي وتاريخي قابل للرصد والتحليل والفهم؟ وإذا اتفقنا جزئياً على ما وصِفَ أو رُمِزَ إليه بكلمات المبالغة والتطرف والقسوة، والقسوة الفائقة، لاحظوا التكرار، فأين نجد جذور المدلول الثاني والخاص بالكثرة والانتشار والتزاحم للعنف الدموي العراقي؟ هل تكمن تلك الجذور في مخاوف ومخاطر وميتافيزيقات تعوم في ذهن المؤلف، أم في الامتداد الزمني التأريخي الهائل والذي يقدره بخمسة آلاف سنة الذي جعل منه الكاتب حقلاً ومادة لعملية مونتاج بوليسية لكل الحوادث العنفية في تاريخ البلد؟

 

أ ليس بإمكان كاتب آخر، وباستعمال طريقة، ومقصات صاحب \”تاريخ العنف الدموي في العراق\”، أن يحشد من هذا الامتداد التأريخي بقرونه الخمسين الطرائف والنوادر والنكات التي قيلت في الهند مثلاً ليثبت، عبر كتاب مشابه، أن الهنود شعب شديد المرح وأنهم يمتازون بالمبالغة والتطرف في هذا الميدان؟ ونسجا على هذا المنوال، سيثبت لنا كاتب آخر أن الشعب الصيني مصاب بمرض اسمه البخل الشديد، أو أنَّ الروس شعب متدين وذو ميول صوفية! أ ليس ما يفعله بعض المؤلفين من أمثال صاحب \”تاريخ العنف الدموي في العراق\”، هو، كما قال ذات مرة المفكر الراحل هادي العلوي مازحاً، مجرد محاولة لإثبات أن الله خلق لنا أنوفاً لنضع عليها النظارات!

 

يتبع في الجزء القادم وفيه نناقش دور الغزاة والحكام المنفصلين عن مجتمعهم في ترسانة وتراث العنف ونستعرض فيه أسس وركائز الأسلوب التاريخي أو الأسلوب الوثائقي في مناقشة موضوعة العنف المجتمعي وكيف ناقش باقر ياسين حيثيات العنف بدءأ من عصر فجر السلالات 3000 ق م وحتى الاحتلال الفارسي الساساني للعراق ونهاية بحروب الفتح والتحرير العربي الإسلامي.

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا