صناعة البطل

تستقر في وجدان شعوب عدة، ونحن منها، فكرة انتظار البطل المنقذ الذي سيظهر ليمحو المظالم وينشر العدل بين الناس. هي فكرة تتحدر من التاريخ الممتد والميثولوجيا يغذيها مخيال شعبي تواق إلى العدل. وعندما يتأخر ظهور المنقذ المخلص، تبدأ الشعوب المقهورة بصناعة بطلها، والذي يكون في أحيان كثيرة أحد المغامرين ممن يتقنون التماهي مع صورة البطل.

ليس الأمر بقاصر على شعوب الدول التي أطلقت عليها تسمية الدول النامية، حتى وان لم تنم، إنما يمتد إلى شعوب سبقتنا في سلم الحضارة، لكنها وقعت، في لحظة تاريخية فارقة، في مطب التعلق بصورة البطل. عندما ظهر هتلر على المسرح السياسي في ألمانيا، كان الألمان في أدنى درجات الإحباط بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى وتكبيل البلاد بقيود مست سيادتها وأنهكت اقتصادها. وها هو بطل يظهر ليتحدث عن تفوق الجنس الآري ويحتقر بقية الأجناس فيجر وراءه الشعب الألماني إلى الحرب العالمية الثانية، والتي كانت أكبر مذبحة بشرية عرفها التاريخ الحديث، وربما القديم أيضا.

وفي الاتحاد السوفييتي، ظهر بطل آخر يرفع راية الدفاع عن الأرض ضد الغزو الألماني، وكانت المعارك الحربية الشرسة تدور كلها تحت شعار \”من أجل الوطن، من أجل ستالين\”. وتحقق النصر بانهيار النازية، لكن بطل الحرب، والانتصارات العسكرية تتحقق باسمه، كان يتحول إلى دكتاتور يتلبسه جنون الارتياب ولا يرى غير صورته في المرآة. وكان ثمن صورة البطل هو الدفع بمئات الآلاف إلى ساحات الإعدام أو منافي الثلج النائية، وبينهم بعض خيرة العلماء والمفكرين والمثقفين.

ماذا عنا نحن في العراق؟ في الذاكرة لقطات شاحبة لجموع من العراقيين تصطف على جانبي شارع الأعظمية تنتظر مرور الملك فيصل الثاني بعد انتهاء مراسيم تتويجه. كانت بغداد يومها أنيقة ومترفة تليق بأن تكون عاصمة لملك، لكن بقية أرجاء العراق كانت تغرق في البؤس والفقر وتحلم بظهور البطل المنقذ الذي سيظهر ليرفع عنها المظالم.

بعد ذلك بسنوات قليلة، تلتمع في الذاكرة لقطات أخرى لمشاهد الحزن لوفاة الملكة عالية، أم الملك الشاب. كانت هناك كراديس من الرجال تخرج من الشوارع والأزقة لتلتحم في نهر شارع الرشيد تردد بلحن حسيني حزين أبياتا من الشعر، وجموع النساء تصطف على الجانبين وهي تولول وتضرب الصدور على الطريقة العراقية المعهودة في العزاء.

كان في كل من مشهدي الفرح والحزن كثير من العفوية والصدق، إذ لم تكن أجهزة الدولة القمعية قد تعلمت بعد كيف تسوق الناس بالقوة لتنظيم تظاهرات التأييد. لعله كان الأمل في أن يتحول الملك الشاب إلى المنقذ المنتظر بعد سنوات طويلة من حكم ولاية العهد الذي حفل بالعديد من المآسي والصدامات المسلحة. لكن صورة البطل لم تكتمل بعد أن قتل في مذبحة مروعة.

وامتلأت الشوارع في ذلك اليوم التموزي اللاهب بحشود بشرية هائلة، ليبرز من بين اللهب عبد الكريم قاسم. بدا الرجل كما لو كان يقترب من صورة البطل المنقذ وهو ينتصر للفقراء ويبدأ بمشروعه للعدالة الاجتماعية. لكن ظهر في الشوارع العراقية بطل آخر منافس هو عبد الناصر، الذي كان يبعث بخطاباته النارية من مصر فيلهب عواطف سامعيه، وكان له هو الآخر مشروعه للعدالة الاجتماعية. وشهدت شوارع المدن العراقية صراعا بين أنصار البطلين، وسالت دماء كثيرة في الشوارع كان من بينها دم عبد الكريم قاسم نفسه ورفاقه. وأعقب ذلك حملة انتقام بشعة على أيدي البعثيين لم يعرفها المجتمع العراقي من قبل.

ثم نامت في النفوس فكرة البطل المنقذ إلى أن ظهر صدام حسين ليطرح صورة أخرى للبطل هي صورة الحاكم العادل المستبد. ولأن العدل لا يستقيم مع الاستبداد، ولأن أدوات هذا ليست بأدوات ذاك، دخل العراق نفق الدكتاتورية وحروب البطل الواحد الأحد، وهي حقبة سوف تبقى آثارها في النفوس المتعبة المحبطة زمنا غير قصير.

كل هذا أصبح جزءا من التاريخ. لكن الغريب أن بعضهم ما زال يسوق لفكرة الحاكم القوي, وهي لا تعدو أن تكون إعادة إنتاج لفكرة العادل المستبد.

إقرأ أيضا