طقوس الانتحار الجماعي الملكي في أور السومرية وخرافة العنف العراقي (7 من 9)

هناك مجموعة من أحداث العنف التي جرت خلال العصر السومري والبابلي، حاول مؤلف كتاب \”تاريخ العنف الدموي في العراق / باقر ياسين\” أن يقدم لها قراءة تحليلية خاصة فجاءت محاولته للأسف تسجيلا اعتباطيا لا حظ له من العلم والعلمية. وقبل أن نلقي ضوءا تحليليا على هذه الباقة المنتقاة والمرتبة من الأحداث، ونورد رأي بعض العلماء المتخصصين فيها، سنقتبس بعضها كما وردت حرفيا في الكتاب مع الاختصار:

 

(انت تلك \”الدول/ المدن\” في جنوب وادي الرافدين تتصارع فيما بينها على النفوذ وتلك كانت أولى النشاطات المبكرة في تاريخ البشرية للعنف المنظم ص29). وفي الصفحة التالية نقرأ (الملك سرجون الأكدي أزاح الملك السومري أور زبابا بعملية تتسم بالغدر والعقوق ص30)، ثم (تعرضت مدينة أور إلى الاحتلال على يد العيلاميين الذين دمروها تدميرا شديدا. إن أعمال العنف والتدمير وسفك الدماء هذه يمكن تدوينها بين الشواهد المبكرة في ممارسات العنف الدموي في أرض الرافدين ص33).

 

علما بأن المؤلف ينشر خريطة آثارية قبل صفحة واحدة، تبين لنا أن بلاد العيلاميين تقع شرق بلاد الرافدين أي في جنوب إيران الحالية أو في ما يعرف بإقليم عربستان والذي يسميه القوميون الفرس \”خوزستان، فالعيلاميون إذاً كانوا مجرد غزاة طارئين، فلماذا يُحَمَّل الشعب المغزو مسؤولية عنف الغزاة؟ ويضيف المؤلف (كان الرجال والنساء من الحاشية الملكية في مدينة أور يقتلون أو يجبرون على الانتحار عمداً إذا مات الملك ليقوموا بخدمته في الحياة الآخرة ص33). ثم يعلق على ما ظنه اكتشافا مهما بالقول (نكون قد وضعنا أيدينا على أولى بصمات العنف الدموي في حياة بلاد ما بين النهرين.. وفي كل الأحوال فإن إنهاء حياتهم كان يتطلب إخضاعهم لعملية عنف قهرية كالتخدير أو الخنق أو غيرهما). إنه يقول هذا الاستنتاج، مع أنه، وقبل سطر واحد، يذكر احتمالاً، من بين احتمالين، يقول بأن هؤلاء الضحايا ربما يكونون قد (تطوعوا للموت عند وفاة الملك ص43).

 

إن هذه استنتاجات لا تعدو كونها هراء محضاً حين نتفحصها في ضوء آخر ما توصل إليه العلماء المتخصصون بعلوم الآثار والإناسة والتاريخ. فأستاذ السومريات في جامعة بغداد د. فاضل عبد الواحد علي يذكر في كتابه \”من سومر إلى التوراة ص 62 وص63\” أن أهم ما يلفت النظر في مقابر أور كونها مدافن جماعية. ففي القبر رقم (800) الذي  يعود إلى الملكة \”بو آبي\” عثر على 59 جثة للأتباع نساءً ورجالاً. وفي القبر المرقم 1237 وجدت 73 جثة من بينها 68 جثة لنسوة جرى دفنهن مع كامل زينتهن وحليهن، ويفترض بعض الباحثين أن هذا النوع من الدفن الجماعي كان يتم وفق طقوس معينة. فهم يعتقدون أنه بعد أن توضع جثة الملك أو الشخص الرئيس الذي من أجله شُيّدت المقبرة، يقام احتفال طقوسي يشارك فيه عازفون على الآلات الموسيقية. وفي هذا الوقت يكون الأتباع وأغلبهم من النساء قد دخلوا إلى المقبرة وخلفهم مركبات تجرها الثيران أو حُمر وحشية والتي ربما استخدمت لنقل جثة صاحب المقبرة وحاجياته الخاصة. وبعد إتمام مراسيم الاحتفال يعطى لكل فرد من الأتباع شيء من السم أو المخدر فيشربه، ثم يجري بعد ذلك نحر الحيوانات التي تجر المركبات والتي وجدت جثثها ساقطة فوق جثث سواقها. ولابد من  التأكيد هنا على أن كل الأدلة تشير إلى أن أفراد الحاشية هؤلاء كانوا قد لاقوا حتفهم بهدوء، فليس هناك أي أثر للعنف إطلاقاً، وأن جثثهم وجدت ممدودة على هيئة خطوط مستقيمة، وأن قلائد النسوة وحليهن وجدت على حالتها ومثلما كانت موضوعة قبل الموت. ومن القائلين بهذا الرأي السير \”وولي\” مكتشف المقبرة، والذي يعتقد بأن الملك في بلاد سومر كان يتمتع  بقدسية ترفعه إلى مصاف الآلهة، وأنه عندما يموت فإنّ أفراد حاشيته وأتباعه يضحون بأنفسهم في سبيله من أجل أن يصاحبوه في رحلته إلى عالم الأموات. يجيب أصحاب هذا الرأي عن التساؤل عن عدم تكرار مثل هذه المقابر الجماعية في مدن أخرى من العراق، بأن ذلك محض مصادفة، وأن مثل هذه المقابر يكون عادة هدفاَ للصوص، وأن معالمها أزيلت في العصور القديمة. وأخيراً فإنهم يسوقون عدة أمثلة على وجود عادة تضحية الأتباع لأسيادهم في أماكم عديدة من العالم القديم.

 

في السنوات الأخيرة، طرح رأي جديد بخصوص مقابر أور، ملخصه أن الشخصيات الرئيسة المدفونة في هذه المقابر، كانوا من كبار المحاربين في الجيش. فقد لاحظ د. واتكنس أن أعداداً من الأسلحة المعدنية الثمينة كالرماح والخناجر والفؤوس كانت من ضمن النفائس التي احتوتها القبور الغنية بآثارها الذهبية والفضية. ولكن د. واتكنس لاحظ أيضاً، استناداً إلى مشاهد الجند المصورة على المنحوتات من عصر فجر السلالات، أن الجنود السومريين كانوا ينحدرون من الطبقة العامة. ولذلك فهو يرى أن الأشخاص الذين دفنوا في المقبرة الملكية في أور ومعهم السلاح لا يمكن أن يكونوا من الجند الاعتياديين بل ينتمون إلى طبقة ارستقراطية ذات امتيازات خاصة ونفوذ كبير وثراء. وفي حالة موت أحد هؤلاء المحاربين الكبار، فإن الأمر كان يتطلب دفنه وسط مظاهر الأبهة، وتجهيز قبره بنفائس التحف والمصنوعات والأدوات بالإضافة إلى السلاح. وكان الأمر يتطلب أيضاً تضحية من أتباعه ليصاحبوه في رحلته إلى العالم الآخر. ويضيف د. واتكنس إلى ذلك قوله بأن هذا التفسير لمقابر أور ينسجم مع ما كشفت عنه التنقيبات في مناطق أخرى من الشرق الأدنى القديم حيث تشير الدلائل إلى وجود طبقة من الرجال المحاربين كانت تتمتع بمنزلة خاصة، وأنه إذا ما مات أحدهم يكون سلاحه الرفيق المناسب الذي يدفن معه.

 

يواصل ياسين صولاته وجولاته لمراكمة أكبر قدر ممكن من الأحداث التاريخية العُنفية التي لا يخلو منها تاريخ أية أمة، فيورد الأمثلة التالية:

تعرضت مدينة لكش إلى غزو مدمر شنه ضدها الملك السومري لوكال زاكيزي ملك أوما فلم يترك بها معبداً إلا هدمه ولا أثراً من آثار الحضارة إلا أزاله وكما فعل بالمعابد والآثار فعل بالأهلين فقد تركهم بين قتيل وجريح غصت بجثثهم الطرقات. ص34)، ثم يقتبس الكاتب قصيدة رثاء لمدينة لكش ورد فيها بيت يقول: (ما أشد ما يعني الأطفال من بؤس) ليعلق فوراً: (في هذه القصيدة يتحسر الشاعر السومري على أطفال لكش العراقيين المساكين الذي يعانون البؤس الشديد في عام 2365) هكذا إذاً، فقد أصبح الأطفال (السومريون)، وهم الشعب الذي انقرض حضارياً وذاب بشرياً في الشعوب السامية التي استوطنت بلاد الرافدين بعد زواله وقبل أن تولد الكيانية السياسية أو الجغرافية العراقية، نقول، أصبح هؤلاء الأطفال عراقيين رغم أنوفهم وأنف التاريخ.

 

يتابع المؤلف مصير الملك \”لوكال زاكيزي\” الذي أسره سرجون الأكدي ووضعه في قفص أمام معبد \”إنليل\” ثم يضع الاحتمال العجيب التالي (إذا كان هذا الملك قد قُتَلَ في آخر أيامه فإنه يكون أقدم حاكم عراقي في سلسلة الحكام الذين انتهوا بالقتل في العراق منذ 2340 قبل الميلاد وحتى عبد السلام عارف عام 1966 بعد الميلاد) وليس ثمة مثال على الخلط والجهل بموضوع الكيانية أوضح من هذا، دع عنك أن الرئيس العراقي الراحل، عبد السلام عارف، قتل في حادث سقوط طائرة عمودية في البصرة خلال عاصفة ترابية، ولكن هذا الواقع لن يساعده على الإفلات من لعنة العنف الدموي العراقي، لأن أقوالاً وشائعات ترددت حينها تقول بأن الحادث قد يكون مدبراً.

 

يكتب المؤلف، كان (الملك سرجون الأكدي من أب غير معروف حملت به أمه سراً أي سفاحاً ووضعته في صندوق القصب ورمته في نهر الفرات الذي حمله إلى \”إكي\” الساقي، أصبح ساقياً للملك أور زبابا، ثم انقلب على سيده وثار ضده عندما خسر هذا الملك إحدى معاركه الحربية. ص37). ثم يذكرنا الكاتب بوسواسه الدائم حول روح الغدر والخيانة لدى العراقيين فيقول بعد ما تقدم مباشرة (وهنا لا بأس من الإشارة إلى سلوك الغدر والعقوق الذي انتهجه سرجون) إنها الوصمة ذاتها التي يريد الكاتب إلصاقها بجبين العراقي والتي سيكررها في العديد من الصفحات كالصفحة 332 حيث يكرر الكاتب قائمة (الغدر والعقوق والعصيان والتخاذل والتبدل السريع في المزاج وخيانة العهود والتصفيات الجسدية وسمل العيون) ومتى؟ بعد ثلاثين قرنا على زمان \”الغادر العراقي\” سرجون الأكدي، وبالتحديد في أيام الحاكم الانكشاري التركي \”العراقي رغم أنفه\” بكر الصوباشي، فأي علاقة تربط هذا الكلام المهين بالبحث التاريخي العلمي الرصين؟

 

في الجزء القادم \”الثامن\” سنتابع قراءة باقر ياسين لأحداث العنف الدموي في فترة الفتح العربي الإسلامي للعراق وبلاد الشام وكيف بذل جهدا خارقا ولكنه عبثي وخبط عشوائي لإثبات ما لا يمكن اثباته بهذا الصدد، حتى أنه جعل – بقصد أو بدونه – شخصية القائد التاريخي خالد بن الوليد وكأنه \”خالدان\”، الأول هو خالد العراقي العنيف والدموي والثاني خالد الشامي المسالم والحكيم، وسوف نثبت وبالأدلة التاريخية الموثقة أن ما يقوله مؤلف كتاب \”العنف الدموي في العراق\” محض هواء في شبك.

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا