(عباس كزهْ)

كزه: لقب لعباس وتعني التافه، وقصة عباس معروفة لدى أهل بغداد، فهو احد مجانين المدينة، يسير حافي القدمين، ويرتدي دشداشة ممزقة، ويعتم بجراوية سوداء. كان يجوب شوارع وأزقة الفضل والمهدية في رصافة بغداد، فإذا شاهده الصبيان تجمهروا عليه، ولاحقوه وهم ينادون: (عباس كزه، عباس كزه)، وهو يشتمهم، ولكثرة ترديدهم لهذا اللقب غلب على اسمه، فعرف بعباس كزه. ومن عادة هذا المجنون انه إذا ضرب من أي صبي ممن يلاحقونه، لا يضرب الصبي الذي ضربه، وإنما يضرب من يجد أمامه من الصبيان، وهذا المثل يضرب لمن لا يرد اعتداء من اعتدى عليه، وإنما يعتدي على غيره.

 

قضية عباس كزه تشبه إلى حد كبير قضية شركائنا بالوطن، فداعش تقتل الأبرياء في مسجد مصعب بن عمير، وتكون العقوبة والدك على المربوط، أي أن تفجر حسينيات بغداد الجديدة وتفجر الأضرحة المقدسة في الكاظمية.

 

وكذلك نحن من جهتنا نفعل مثل فعلتهم، فعندما يحرض نائب ويقتل ويستخدم العصابات مع الكاتم لا تتم تصفيته أو محاكمته، بل نسلك طريقة عباس كزه، فنحط رحالنا في أول مقهى بالأعظمية لنجلب منه ما يكونون شفاء لنا. هذا الأمر لا يخلو من أيد أجنبية توجه عمل الطرفين وتريد لهذا الشعب الفناء، وإلا ماذا نسمي قتل 1700 إنسان على الهوية، طلاب قاعدة سبايكر الجوية، والجنوب يغلي لأيام وتهدئه المرجعية. ثلاث عشائر قتلت هؤلاء بطريقة بشعة، وهم ينتسبون لأكثر من 300 عشيرة، والراشدي عدنه بـ12 مليون الفصل، فكيف ستعمل عشائر الجنوب مع القتل العمد وبالطريقة التي شاهدناها.

 

أعتقد أن الدماء التي سالت بسبايكر ستكون لعنة على العراق وستأتي عليه، كما أتت على عشيرة قديمة تفانى أبناؤها، وكانوا يسمون دودان لكثرتهم، فتنازعوا، فأباد بعضهم بعضا، حتى قالت عجوز منهم بقيت في الدار:

عذير الحي من دودان … كانوا حية الأرضِ

بغى بعضهم بعضا … فلم يبقوا على بعضِ

 

ونحن الآن نسلك سلوك هذه القبيلة التي تفانت، ونسوّق للأمر على انه داعش وماعش وأخواتها، ونحن نعلم علم اليقين أن من يقتل ويذبح ويغتصب هم أبطال الجيش السابق من عقداء وعمداء ومخابرات وفدائيين. اعتدنا من البداية على عدم تسمية الأشياء بمسمياتها، ولذا صرنا نخوض بالدماء ولم نوقف قاتلا عند حده. 

 

شركاؤنا في الوطن يرددون الأهزوجة القديمة التي رددها طارق الهاشمي كثيرا، أهزوجة العفو العام، حتى لم يتبق لدى القوات الأمنية أي أمل في القضاء على الإرهاب. من هنا يقتل ويذبح ومن هناك هو بطل ويطلق سراحه ليعود إلى ممارسة إعماله الإجرامية. أي بلاد هذه التي تكافئ القاتل، وأي دستور أباح لكم أن تطلقوا على المجرم صفة بطل يستحق الاحترام، وأي شروط تضعونها على شركائكم في الوطن، وماذا تبغون من وراء هذا؟

 

ليست هناك دماء رخيصة ودماء غالية، وليس هناك سيد اعتاد على السلطة وعبد دفع ثمن عبوديته أكثر من 1400 سنة، جميعنا أبناء وطن واحد وصناديق الاقتراع حددت من هم الأغلبية ولا عودة إلى حكم الفرد والانقلابات، إن كان هذا الأمر يرضي الجميع فبها، وإلا فالشراكة غير مبروكة بدليل أن الله لم يتخذ شريكا، وكذلك قالوا: إن جدر الشراكة لا يستوي، وإذا ما اختلطت الشراكة بالدماء فهي شراكة فاشلة تستدعي الفسخ، ولا يمكن للطرف المظلوم والمقتول والمستباح أن يبقى دائما هكذا، لابد أن ينتصر في يوم ما لنفسه.

 

أصبح بعضهم بطلا لأن القانون معطل ولا أحد يعمل فيه، فرئيس الجمهورية غير مؤمن بالإعدام، وعباس كزه يضرب الكدامه، وتعالوا حلوا هذه المشكلة.

 

* عبد الله السكوتي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا