عندما صوّتنا لوأد الديموقراطية!

لا أدري لِمَ تذكّرت وأنا أطالع نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة يوم كنت أتردد على مكتبة كليتي وأجُدّ في التزلّف إلى موظفاتها لأحصل على ضالتي من الكتب المدفونة أو ربما المصادرة من قبل الأجهزة الحزبية، تلك الأجهزة التي قامت على مقارعة الكلمة الحرة، لذا كان طلبي لتلك الكتب يُعد شروعاً في جريمة!

ولأنني مفتون بالمستحيل! لم تهدأ محاولاتي للعثور على احد الكتب (الممنوعة) حتى وجدتُ يوماً كتاباً خمسينياً بعنوان (مبادئ الرجال) طبعاً لا أتذكر مؤلفه، ولأن (كل ممنوع مرغوب فيه) استمتعت بقراءته حتى ظننت أني لن أنساه أبدا. ومما علق في ذاكرتي من أفكار المؤلف دفاعه المستميت عن الوعي الشعبي العراقي في تقبّل فكرة الديموقراطية، في الفترة التي نشطت فيها حركات التحرر في الخمسينيات، ولأن الأفكار يومئذ مكبلة وقليلة أو معدومة تذكّرت كيف استسلمت لدفاعه واقتنعت برأيه، كان المؤلف يقف ضد القائلين بضيق الأفق المعرفي ونقص الوعي السياسي الجمعي للمجتمعات العراقية (باستثناء القليل الذي لا يمكن تعميمه).

اليوم وبعد 30 عاما على قراءتي لتلك الأفكار وأكثر من 60 عاماً على كتابتها، لا أدري هل تأكّد الجهل الشعبي بماهية السياسة فقط! أم تراجع أكثر؟!

ولأن الأقلام أحياناً تلامس جراح الواقع فإن صمتها عن نتائج الفحص النفسي للأمراض الاجتماعية يصبح سِكّيْناً تقتل صاحبها كبتاً إذا لم تنفجر صراخاً، كما أن جزءاً مما نكتب مذخور لمن سيأتي، تماماً كالذي قرأناه أيام صبانا، لذا من المهم أن نقول بصراحة إننا تراجعنا اليوم عن وعينا الخمسيني بشكل أكثر فداحة، ورغم أننا أكثر الشعوب في الكون دفعاً لثمن ديموقراطيتها، فنحن نُريقها (ببرود) بسبب سلبية العاطفة التي التصقت بالشخصية العراقية، والحال على ما يبدو أن الديموقراطية كانت حلماً وستبقى حلماً!! ذلك الحلم الذي كان مستحيلاً وأضحى مستحيلاً أيضا! الحلم العسير مستحيل بإمضاء واقع آخر بعيد حتى بحسابات الأطفال عن معنى الديموقراطية الحقيقي، ومع قصور المعنى فحالنا الشعبي اليوم يسعى دون دراية إلى تكميم الأفواه رغم أن الصراخ لا يصل إلى الآذان المغلقة، ضجيج في الأصوات، مع حقيقة فادحة ان القلم يمكن أن  يُعدم بلحظة بكاتم أو بقرار حاسم.

ولأن السياسة لا تحمي العاطفيين! فسنعرف أو يعرف أطفالنا لاحقاً أننا دخلنا في قبضة الدكتاتورية بمحض إرادتنا وبنفسجة سبابتنا، فما أجد وأنا ابن البصرة في قوائم من فازوا سوى نقاط سوداء في جبين الحكومة وأدائها ولا داعي للتفصيل مادمنا نطّلع على مركزنا المتصدر ومكانتنا المتفوقة في الفساد الإداري الصارخ وتعثر المشاريع (غير اللائقة بأعشار الميزانية)، مع تجاهل ابسط المطالب الشعبية في تحقيق ضرورات البقاء! والقائمة تطول، ومن يدري لربما لن نستطيع في قادم الأيام أن نكتب أفكارنا بحرية كما نفعل الآن، ببساطة لأننا في زمن ديموقراطية العواطف التي فسدتْ فأفسدتْ!!

* د. حسن الناصر: كاتب وأكاديمي عراقي في جامعة البصرة، h_almahmood @yahoo.com

إقرأ أيضا