عن رواية \”مقبرة الانجليز\” لعلاء شاكر

كان يمكن لعلاء شاكر أن يكتفي بإهداء كتابه إلى والده امتنانا وعرفانا له ولكن كيف سيكون ذلك كافيا وقد قرر أن ينازل الجنون، وبالقدر نفسه كان يحاول الترفع عنه خلل الكتابة، وهو وقد تلبسه الجنون من دون أن يدري توجب عليه أن يعنونه إلى أحد ما! ولأنه احتار اختار خطئا ان يهديه إلى حفّار القبور!

 

لمَ حفار القبور؟ للستر والرحمة وتكريم الجسد، أم أن الرب قد تعب من المشهد؟ ألا يكون هو نفسه؟ الكاتب لأنه ينبش الحياة، والذي يحثّ خطاه أيضا بينما الرفش في يده، يدفن ويدفن والبؤس لا ينتهي، ولم يكن بوسعه هو أن ينتهي لأن الموت يناكفه، يتوعد نهاره وليله بالريح ونباح الكلاب والجثث. ربما يكون قد أهدى الكتاب إلى نفسه إذا!

 

لم يثبّت زمن لإصدار الرواية على الغلاف أو على الصفحة الأولى الداخلية، ولم تذيل الرواية بزمن كتابة من قبل الكاتب، كما أن زمن مجريات الأحداث وإن كان معروفا لدى جمع كبير سيبقى خافيا على البعض الآخر. أي أن الاحداث كانت مستلهمة من الفترة التي مر بها العراق بعد عام 2003، وما مرت به البصرة تحديدا من انفلات أمنى، بتنفذ قوى الإرهاب وتناحرها، والاملاءات من قبل الجهات المتطرفة المختلفة التي جعلت من المدينة بأكلمها مقبرة. ولكن ذلك كله لا يبدو مهما بالنسبة لي بقدر زمن وعي الكاتب وتجربته في تناوله للشخصيات. وعي السارد حديث جعل منتهى عبد العزيز المعروفة باسم نور، الشخصية الرئيسية تتخطر أمامنا داخلة خارجة في هذا العالم المجنون تصف من خلالها نفسها ومن لها علاقة بهم بشكل مكثف صادم وجميل ومشوق. وعي يجتنب الولولة، بسخط وغضب شفيفين لما يدور. وعي حديث يشير إلى أن الحال قد تراجع اجتماعيا فلم يكن على هذه الدرجة من المحافظة والتقليدية والفراغ. من ناحية أخرى كان زمن الرواية ذاته ربما عائقا يحول دون متابعة الشخصية بمنأى عن واقع الحال واحتمالياته، فالمدينة ليست مجهولة ولا شوارعها ولا ما ألم بها عبر تفاصيل مثبتة داخل النص. ولا أدري إن كنت بدافعٍ من خوفي عليها بسبب حرية تحركها التي وان كانت محدودة بدت بالنسبة إلي غير ممكنة، لا أدري إن كنت أشكك بوجودها بسبب ذلك!

 

اقترب الكاتب من نور بينما لم يقترب كثيرا من هانس وغسان وأحمد. وربما موائمة لخصال الشخصية التي كانت عليها البطلة التي اختلقت لها اسما آخر فما تبقى لا يهم. وما تصدر الكتاب بعد الإهدائين كان يقول أن نور ستظل تعيسة قبلا وبعدا. ستبقى غريبة عن بيئتها، وحيدة في عالمها الذي أثثته ليتناسب مع طبيعتها الحرة، بإدراكها لحقها في الحياة وفي امتلاكها لجسدها وحق التصرف به من دون اسقاط صفات وأحكام معهودة قديمة. تلك المرأة الشابة التي خنقت صوت التهكم والمرارة لديها، لم يكن ممكنا أن يسعها هذا العالم، كان لابد من موت، مضاف إليه الخيال والحلم ليجعلا من وجودها أمرا محمولا!

إقرأ أيضا