عودة الفلوجة

حين غادرتُ مدينة الفلوجة العراقية في تشرين الأول/أكتوبر 2007 بعد ستة أشهر من تشكيلي إليها ضمن البحرية الأمريكية كمسؤول عن التعاطي السياسي والقبلي، تركت مدينةً بدا وأنها أدارت ظهرها إلى التطرف الإسلامي وركزت في المشاركة المسالمة في الحياة الوطنية والسياسة في عراق ما بعد صدام.

 

وكان مد التمرد بقيادة تنظيم \”القاعدة\” قد تراجع في جميع أنحاء محافظة الأنبار وفي كافة أوساط المجتمع العربي السني حيث أن العراقيين رفضوا حكم الشريعة القاسي الخاص بالحركة الإسلامية فضلاً عن المعاملة الوحشية والوعود الكاذبة بغدٍ أفضل.

 

ومع خطة إعادة السلام التي طبقتها البحرية الأمريكية في جميع أنحاء المدينة، إلى جانب الشرطة العراقية والجيش العراقي، وبمساعدة القبائل المحلية، رأيتُ الفلوجة تشهد تراجعاً في الحوادث الأمنية من نحو 750 في شهر آذار/مارس إلى أقل من 80 حادثة في تشرين الأول/أكتوبر فيما عمّت حركة \”صحوة الأنبار\” غرب العراق.

 

وفي الوقت الذي حلّت الصراعات السياسية مكان العنف في الفلوجة، شهدتُ انبعاث الحياة الاجتماعية: إذ أعاد المجلس البلدي تأكيد حضوره، ومارس المحافظ سلطته السياسية وتعاونت القبائل المحلية بشكل متزايد مع الحكومة العراقية.

 

أما اليوم، وحيث أتتبع صرح النظام هذا ينهار في العراق كله، لا يسعني كجندي سابق سوى أن أتساءل إن كان هناك من جدوى لما حصل. وأتساءل أيضاً لماذا حدث ذلك؟

 

وبقدر ما يتحمل رئيس الوزراء نوري المالكي مسؤوليةً عن المشاكل الحاصلة الآن في العراق، إلا أن وصوله إلى الحكم وأسلوب حكمه تمّا ضمن نظام دستوري فرضته إلى حد كبير على العراقيين \”قوات الائتلاف\”.

 

وفي الجوهر، لم يتمكن النظام السياسي في العراق من معالجة مشاكله لأن بنيته وشكله وتصميمه كلها سهلت تطور ظروف نزاعية عوضاً عن توافق دستوري حول التحديات التي تشهدها البلاد. وفي هذا المجال بالذات تتحمل الولايات المتحدة و\”قوات الائتلاف\” معظم اللوم.

 

بالطبع لتصميم الدستور أهميته، وما يدعو للسخرية هو أنه في وقت إعادة صياغة الدستور لم تكن الولايات المتحدة تعرف إلا القليل عن البلاد التي اجتاحتها وكانت أكثر عرضة للضغوط السياسية من المجموعات التي كانت مستبعدة عن السلطة ولم تكن تنوي التصرف بنبل. وبالتالي أثّر ضعف بنية الدستور في تصرفات الحكومة وازداد الأمر سوءاً مع سياسة \”المجموع الصفري\” التي تأثرت إلى حدٍّ كبير بالمجموعات المبعدة، إذ كانت هذه الأخيرة تسعى إلى تصفية الحسابات عوضاً عن بناء مستقبل جديد. وكان عددٌ كبير من خطوط الصدع هذه غير ظاهر بالقدر نفسه خلال الحرب لأن الضغط العسكري والسياسي والدبلوماسي من الولايات المتحدة خفف من حدة هذه المشاكل.

 

وحين غادرت الولايات المتحدة العراق أخيراً وبات دورها دوراً دبلوماسيّاً طبيعيّاً، تداعت خطوط الصدع البنيوية في النظام الدستوري مؤديةً إلى نشوء مجموعات سعت للخروج عن النظام بدل إصلاحه.

 

وقد رفضت الفلوجة تمرد تنظيم \”القاعدة\” لأن المجموعات القبلية والقوى الأمنية تعاونت مع بعضها فيما لعبت الولايات المتحدة دور المنسق والميسّر: فتوددت تارةً وضغطت طوراً ولعبت دور الوسيط الصريح، أي بتعبير آخر لعبت دور الحكومة. وقد ساندت عناصر أخرى هذا التعاون لكن كان دور الولايات المتحدة الحيوي المتصدر في القيادة هو الذي جعل النظام السياسي العراقي ينجح ويسّر استمرار العملية الانتقالية للحياة السياسية العراقية من مجتمع متضرر من جراء الدكتاتورية إلى مجتمع يركز في المستقبل.

 

وفيما يستشهد الرئيس الأمريكي أوباما بالعملية الانتقالية السياسية المسالمة نسبيّاً في اليمن ويعتبرها نموذجاً للعراق، من المفيد معرفة أن اليمن خاض عمليةً قام من خلالها مجتمعه الذي يعاني من انقسامات حادة بمناقشة مشاكله كجزء من \”مؤتمر حوار وطني\” أدى بعد ذلك إلى إعادة صياغة الدستور اليمني.

 

ومهما كان إبعاد رئيس الوزراء نوري المالكي عن منصبه مفيداً في معالجة بعض أوجه الأزمة الراهنة في العراق، لا يزال من الضروري العودة إلى مراجعة أسس النظام السياسي في البلاد. إذ لا يمكن هزيمة الإسلام المتطرف بالعمل العسكري وحده؛ فمن شأن إصلاح الدستور العراقي ليركز في السياسة العملية عوضاً عن النظريات السياسية أن يضمن أساساً أكثر متانةً للاستقرار في المنطقة.

 

يجب على الولايات المتحدة أن تضطلع بمسؤولياتها عوضاً عن الاستسلام للتهكم في العراق وأن تقر بأن دم الجنود الأمريكيين الذي أريق بالنيابة عن الشعبين الأمريكي والعراقي يتطلب التزاماً جديّاً بمستقبل العراق.

 

* دانيال غرين: زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن، ومؤلف مشارك في الدراسة القادمة: \”عودة الفلوجة: صحوة الأنبار والصراع مع تنظيم القاعدة\” (معهد الصحافة البحرية في الولايات المتحدة)

إقرأ أيضا