غزة مذلة الإسرائيليين.. والحياة العصية على الموت

تسيل الكثير من دماء الشعب الفلسطيني بكل فئاته التي تخرج للوقوف في وجه الكيان الصهيوني المغتصب، لنيل الشهادة في سبيل الحرية والكرامة والاستقلال. وبالرغم من ذلك فالانتفاضة قادمة لا محالة، كون التاريخ يشهد على أن الفلسطينيين وإن صمتوا لسنوات عن جرائم الاحتلال، لابد أن تدق ساعة الانتفاضة على كل جرائمه ضدهم.

 

واليوم تواصل إسرائيل عدوانها على فلسطين وخاصة قطاع غزة مخلفة وراءها مئات من الشهداء والجرحى. يأتي هذا العدوان في وقت تشهد المنطقة سلسلة من المتغيرات الدولية والإقليمية، لتثير التساؤل عن أسباب هذا العدوان في الوقت الحالي، إذ يرى بعض المعنيين أن إسرائيل استغلت انشغال العرب بأوضاعهم الداخلية لتقوم بحربها على الفلسطينيين، ويرى آخرون أنها محاولة للحد من عودة القطاع إلى العمق الفلسطيني وتقويض الوفاق الوطني، ويرى غيرهم أن الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة هي حرب ممنهجة تقوم على عدم إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه، وأن صواريخ المقاومة ما هي إلا حجة تتذرع بها إسرائيل والإدارة الأميركية معها لإبادة الشعب الفلسطيني.

 

فمشاهد الدمار والقتل اليومي ضد المدنيين العزل، تدفع نحو المزيد من الغضب والانفجار الشعبي تجاه إسرائيل، وباختصار شديد فإن مجمل هذه المعطيات والأحداث تدفع نحو اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة بدأت في شحذ وقودها من عملية استشهاد الفتى أبو خضير على أيدي المستوطنين، وزادت توقدها من دماء الأطفال والأبرياء الذين وقعوا في العدوان الإسرائيلي الحالي على القطاع، بالإضافة إلى الضعف العربي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية، خاصة بعد انجلاء الأمر في الحرب الحالية ضد غزة، الذي يعد عاملاً أساسياً في تفجر الانتفاضة، خاصة وأن الفلسطينيين فاضوا غيظاً من الصمت العربي، فضلاً عن ضعف الموقف السياسي الفلسطيني الرسمي في التعامل مع مجمل القضايا الداخلية والذي يسهم في تفجر الغضب الفلسطيني.

 

إن ما آلت إليه الأمة العربية من انقسام على كافة المستويات، قد أسهم في تعقيد مسألة القضية الفلسطينية، ومع ذلك فان الشعب الفلسطيني في غزة يثبت أنه شعب جبار بصموده وتصديه لهذا العدوان الغاشم، لذلك فإن غزة هي الحصن المنيع بوجه الدولة العبرية وبوجه إجرامها، فلقد أظهرت جدارتها في مقاومة عدو يدوس على الكرامة الإنسانية، ولذلك يمضي نتنياهو بحربه على أهل غزة وعلى أطفالها ونسائها وشيوخها وهو يريد تركيع الفلسطينيين ولي ذراعهم وإعطائهم درساً بألا يتمردوا على إسرائيل.

 

وهنا أقول إن هذا الأمر مستحيل، فكم مرة شن الجيش الإسرائيلي حرباً على غزة ولم يفلح في كسر عزيمة الفلسطينيين وبالتحديد أهل غزة الذين ليس عندهم شيء يخسرونه بعد أن حرمتهم إسرائيل من أدنى حقوق الإنسان وبعد أن حولت غزة إلى أسوأ من سجن. لذلك لا قوة تستطيع تركيع أهل غزة لأنهم أدمنوا على قهر غطرسة وعنجهية الإسرائيلي، ومواجهة الموت بالصدر العاري، فلم يكن ولن يكون الموت يوماً وسيلة لإخافتهم أو لإحباطهم، كونهم زلزلوا الأرض تحت أقدام المحتلين، فأربكت ثوراتهم الكيان الصهيوني وانكشف ضعفه أمام قوة الإرادة الفلسطينية التي لم تنفع كل حملات القمع والإرهاب والاضطهاد في ثني عزيمة الفلسطينيين عن المطالبة بحقهم في تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

 

نحن الآن أمام تحد كبير يتطلب التغيير في الإستراتيجيات والأدوات لأنه لم يعد بالإمكان بالطريقة القديمة أن نصل إلى نتائج ملموسة، فإسرائيل لن تقبل العملية السياسية وكل المبادرات التي تبذل من هنا وهناك للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، فالخيار الأفضل حالياً للتعامل مع الاحتلال هو العودة إلى الكفاح والمقاومة بكل أشكالهما، وكسر حال الصمت لمواجهة العملية الاستيطانية والتهويد المستمر للقدس.

 

ولن يغير الضعف العربي الحالي والانحياز الأمريكي والغربي لإسرائيل حقيقة ولن يضيع حقاً، وإذا فرطنا فيه فلن تقبله الأجيال القادمة. نعم لن تحرر المقاومة الفلسطينية بمفردها فلسطين ولكنها ستظل دوماً رأس حربة في وجه إسرائيل تستنزفها وتشكل خبرة لأجيال قادمة أكثر عمقاً في النظام العربي، وبدون الإصلاح الحقيقي على صعيد البيت الفلسطيني أو على صعيد النظام العربي، فإن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ستفرضان مزيداً من الهيمنة على المنطقة بحيث تستمر إسرائيل في سياستها العدوانية التي قد تستهدف مجدداً غزة ودولاً عربية أخرى وعندها يمكن أن تتم تصفية القضية الفلسطينية بشروط إسرائيلية كما تستمر الولايات المتحدة الأمريكية في عملية استنزاف الثروات العربية.

 

وأخيراً ربما أستطيع القول: إذا كانت إسرائيل تتصور بأنها ستكسب شيئاً من تلك المجازر والمحارق التي تقوم بها في فلسطين فهي واهمة، ومن الغباء ألا تدرك إسرائيل أن عدوانها قد زاد من رصيد الكراهية والبغضاء تجاهها في نفس كل فلسطيني وعربي، ومن قصر النظر ألا تدرك إسرائيل أن ما ألحقته بأهل غزة من إصابات وجراح ستكون بمثابة جرس إنذار يدق على الدوام مستنهضاً كل الفلسطينيين وسائر العرب لتحرير فلسطين من الصهاينة، وكل أرض عربية سلبت من أهلها ولن يغيب عنها أن الأرض التي دفن فيها الشهيد ستنبت مقاومين ومناضلين أشد بأسا وأشد إصراراً على دحر العدو واستعادة الحقوق.

 

وبالتالي أرى أن المرحلة القادمة هي مرحلة الصمود وهي مرحلة تتطلب توفير حاجاتها وشروطها عربياً حتى يتغير ميزان القوى ويكون هناك نظام عربي قادر على تحرير الأراضي المحتلة.

 

* د. خيام محمد الزعبي: كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية، Khaym1979@yahoo.com

إقرأ أيضا