فرص ضائعة

قبل قرون عدة، جلس محمد الثاني، آخر ملوك الاندلس، يبكي وجحافل الأوربيين تدق أبواب غرناطة. يومها قالت له امه \”ابك مثل النساء ملكا مضاعا… لم تحافظ عليه مثل الرجال\”. وذهب ملك العرب في الأندلس لكن حكمة تلك العربية الأندلسية ظلت خالدة تقال لكل حاكم يندب بعد فوات الاوان ضياع الفرصة.

خذوا الاخوان في مصر، وقد افلتت من ايديهم فرصة جاءتهم على يد الاميركيين بعد ثمانين عاما، فأضاعوها في عام واحد. كيف لم يقرأ الاخوان مجتمعهم وهو ينفض من حولهم، رغم ان افرادهم منتشرون في كل بقعة وزاوية، وصولا حتى أبعد قرية مصرية؟ أي غباء سياسي جعلهم، بعد سقوط حكمهم، يندفعون الى الشوارع يحرقون المنشآت، ويقتلون البشر بوحشية فتحت عيون المصريين على حقيقة هذا التنظيم واهدافه وتشابكاته مع قوى خارجية عديدة؟ في هذا المشهد الاخير خسروا آخر ما تبقى لهم من رصيد مجتمعي، وأحرجوا المجتمع الدولي الذي هب مدافعا عنهم لأسباب لا تتعلق بهم قطعا.

خذوا بشار الأسد وكيف تحولت سوريا الجميلة على يديه الى خراب شامل وهو متمسك بعناده الغبي. راجعوا معي الشهور الأولى للثورة السورية ومطالبها لتكتشفوا كم الفرص التي أضاعها على نفسه وعلى بلاده. كان ممكنا تجنب هذه المذبحة اليومية وتجنيب البلاد صراع المصالح الدولية الدامي بشيء من الحكمة والنزول عن بغلة الاستبداد. والمشكلة ان الحاكم عندما يقدم التنازل متأخرا تكون الفرصة قد ضاعت. لماذا لم يتعظ بشار الأسد، وهو البعثي، بمصير صدام حسين البعثي؟

خذوا حكم البعث العراقي يوم جاء الى السلطة للمرة الثاني في 1968. كان المجتمع مستعدا لتناسي مذابحه في 8 شباط، أقول تناسيا وليس نسيانا، لكنه ادخلنا في مذابح جديدة فاقت سابقتها وفي سلسلة من الحروب العبثية وحكم دكتاتوري عميت بصيرته، فكانت النتيجة ضياع الحكم وانهيار الدولة وخراب البلد. وراجعوا معي كم  فرصة ضاعت على امتداد اكثر من ثلاثين عاما من حكم البعثيين كي يجنبوا انفسهم المصير الذي آلوا اليه.

خذوا المجموعة السياسية التي تتحكم بالعراق اليوم ولا ترى أبعد من انوفها، وكأنها تظن ان الزمن سيتوقف عندها. يصعب علي ان افهم كيف لا يسعى هؤلاء الى استرضاء المجتمع الذي يقودونه بشيء من الأمن وبعض من الخدمات وقليل من العدالة الاجتماعية. ومخطىء من يظن ان صندوق الانتخاب هو الفيصل في الموقف، وما دام العراقيون ينتخبوننا فانهم راضون ولا ريب عنا وعن الخراب الذي يعيشون فيه. ان الانتخابات يمكن ان تتحول الى كذبة كبيرة ان لم يتوفر لها مناخ طبيعي يضمن تكافؤ الفرص ومنع استخدام المال السياسي وعدم تأجيج الاستقطابات الطائفية والعشائرية والمناطقية لاستثمارها في جمع الاصوات. 

بدون كل ذلك لن تكون نتائج اية انتخابات مؤشرا لرضى المحكوم عن الحاكم.

أفكر في كل هؤلاء وغيرهم واتساءل، لماذا لا يتعلمون من تجارب بعضهم البعض؟ أم ان كلا منهم يتصور نفسه الاستثناء الذي لن يمسه الغضب العام؟

أقرأ أيضا