فساد وتدمير للاقتصاد.. ما الذي كشفه استيراد “التجارة” لمعجون الطماطم؟

من جديد، يقفز التساؤل حول عدم تفعيل الصناعات الغذائية في العراق للواجهة، فقد أثار سعر…

الإعلان عن الأسعار الفاحشة لأنواع من معجون الطماطم المستورد لحساب وزارة التجارة، مقارنة بقيمته المتداولة في الأسواق، يفتح الباب مجددا للشكوك بنزاهة عملية استيراد مفردات البطاقة التموينية، ويسلط الضوء على أسباب توقف الصناعات الغذائية، رغم انتعاشها في تسعينيات القرن الماضي.

ويقول الباحث في الشأن الاقتصادي، ضياء المحسن، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “عقد وزارة التجارة مع شركة الأويس الخاص بالسلة الغذائية مبالغ فيه ويشوبه فساد كبير، ويحتاج إلى إعادة نظر والبحث في كل الشبهات التي تحوم حوله”.

ويطالب المحسن، الحكومة بـ”تفعيل القطاع الزراعي، بالإضافة إلى القطاع الخاص، لاسيما المواد التي تتعلق بالصناعات الغذائية”، لافتا إلى أن “العراق كان يمتلك معامل تصنيع في كربلاء وغيرها وهي مختصة بالصناعات الغذائية”.

ويتابع، أن “الحكومة تدعم الآن القطاع الزراعي، لكن هذا الدعم يذهب لتكثيف منتج واحد على حساب باقي المنتجات، وكان عليها أن تدعم الزراعة بشكل عام بدلا من الاستيراد من الخارج بمليارات الدولارات”.

ويرى، أن “تشغيل هذه الصناعات البسيطة يسهم أيضا في تشغيل الأيدي العاملة، ولكنه يحتاج بالدرجة الأساس إلى وفرة من المنتج الداخل في هذه الصناعات”.

وكان النائب هادي السلامي، ظهر يوم أمس السبت، بمقطع فيديو، وكشف أن سعر علبة معجون الأويس التي تستوردها وزارة التجارة من الصين لمفردات البطاقة التموينية يبلغ 3750 دينارا، في حين أن سعرها بالسوق المحلية يبلغ 1000 دينار فقط، كما استعرض مفردات البطاقة التموينية الأخرى التي يتم استيرادها بأسعار عالية وجودة منخفضة، في حين لم يتم التوجه لتفعيل الصناعة المحلية.

يشار إلى أن تركيا أعلنت في العام 2021، عن تصدر العراق قائمة المستوردين لمعجون الطماطم بقيمة 25 مليون دولار لثلاثة أشهر فقط.

يذكر أن نائب رئيس غرفة تجارة بغداد حسن الشيخ، أكد في تصريح سابق لـ”العالم الجديد”، أن العراق يستورد معجون الطماطم من تركيا بمبلغ 84 مليون دولار سنويا، أي بواقع 7 ملايين دولار شهريا، لسد احتياج مفردات البطاقة التموينية، وهذا دون أن يضاف إليه ما يستورده القطاع الخاص.

ومن المزارع الشهيرة بإنتاج محصول الطماطم في العراق، هي مزارع الزبير غربي محافظة البصرة، حيث يعد إنتاجها من أشهر وأجود أنوع الطماطم في العراق، فضلا عن وفرته، إذ بحسب بيان لوزارة الزراعة في العام 2020 فإن إنتاج البصرة من الطماطم يغطي حاجة العراق بالكامل.

وكانت شعبة زراعة الزبير في البصرة، أعلنت سابقا عن تسجيل أعلى مستوى لإنتاج محصول الطماطم بلغ أكثر من 6 آلاف طن، وهو رقم يعتبر الأعلى منذ 10 سنوات.

من جهته، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي، ملاذ الأمين، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “العراق يفتقر إلى خطط مركزية لتشجيع صناعته المحلية، ويعود هذا الخلل لسوء التخطيط، لاسيما وأنه يمتلك مصانع عديدة خاصة بالصناعات الغذائية كمعامل تعليب كربلاء التي شغلتها إحدى الجامعات وبعدها تم هدمها، في تصرف لا يعني سوى تخريب متعمد للصناعات الوطنية، وتنفيذ لأجندة تحاول تدمير الاقتصاد العراقي”.

ويشدد الأمين، على “ضرورة إعادة الصناعات القديمة وتطويرها ووضعها في مسار الاحتياجات الآنية، خاصة وأن العراق يمتلك مزارع كثيرة خاصة بالطماطم على سبيل المثال، كما أن لديه معامل يمكن أن تصنع المعجون بدل استيراده، فالأولى إعادة هذه الصناعات، لكن يبدو أن هناك أجندات تريد إبقاء العراق مستوردا وغير منتج”.

ويرى، أن “فوائد إيجابية كثيرة لتشغيل هذه المعامل، منها منع خروج العملة الصعبة إضافة إلى تشغيل آلاف الأيدي العاملة، كما أن الإبقاء على الاستيراد ينافي توجه الحكومة نحو تفعيل القطاع الخاص وادعائها لذلك”.

يذكر أن لغطا كبيرا أثير حول مصانع تعليب كربلاء، التي كانت تنتج معجون الطماطم ودبس التمر والخل وغيرها من المنتجات الغذائية، لاسيما بعد أن توقف قبل سنوات عن العمل بشكل كلي، ومن ثم أثيرت مؤخرا مسألة تمليكها للعتبة الحسينية.

وكانت مدير عام شركة المنتجات الغذائية، صرح قبل أيام لـ”العالم الجديد”، أن منتجات الشركة تسد نحو 30 بالمئة من حاجة السوق المحلية، والمتضمنة الألبان والأجبان ومشتقاتها.

يشار إلى أن شركات وزارة الصناعة والمعادن، كانت تمدّ السوق قبل 2003 بحاجته، أما الآن فقد تراجعت لأسباب عدة أبرزها فتح أبواب الاستيراد وانعدام القيود الرقابية، وخلق منافسين كثيرين للمنتج المحلي، على الرغم من جودة الأخير وخضوعه للسيطرة النوعية.

جدير بالذكر، أن شركة تعليب كربلاء، أسست في العام 1989، وهي مرتبطة بوزارة الصناعة والمعادن.

بدوره، يؤكد النائب محمد البلداوي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “الدولة تبحث عن تكامل السلة الغذائية للمواطن وهي تتابع هذا الملف الذي خصصت له مبالغ مالية كفيلة لتنفيذه مراعاةً للظروف الحالية ومعالجة وضع المواطن الاقتصادي”.

وبشأن الفرق في الأسعار، يشير البلداوي إلى أنه “يأتي من حيث اختلاف المنتجات وجودتها، إضافة إلى هناك من السلع ما يمكن إنتاجه محليا والدولة كفيلة بتوفيره كالسكر والطحين”.

ويضيف، أن “ملف السلة الغذائية في الحكومات السابقة هو واحد من الملفات الضخمة التي يشوبها فساد كبير، وحكومة السوداني تعمل عليه بقوة، وتبحث عن جودة المفردات ضمن السلة الغذائية، إضافة إلى أن ما يصدر من أي جهة رقابية أو غيرها ستتم متابعته ومعرفة حقيقته”.

يذكر أن “العالم الجديد” سلطت الضوء في تقارير سابقة على الصناعة المحلية، وخاصة شركات وزارة الصناعة والمعادن، وعزا متخصصون بالاقتصاد الضعف الحاصل إلى الفساد وضعف التسويق، وأكدوا أن معامل الوزارة شبه مشلولة، فيما بينوا أن الطريقة السليمة هي استيراد الأدوات وتكون الصناعة بمسمى نصف المصنع، حتى تخلق فرص عمل بالداخل وتسير العملية وفق هذا النمط.

وغالبا ما يتصدر العراق منذ عام 2003، قوائم المستوردين لمختلف البضائع الصناعية والزراعية، سواء من تركيا أو إيران، إلى جانب احتلاله مراتب متقدمة كمستورد من الأردن ودول الخليج، فيما بلغ حجم استيراداته من الصين بنحو 50 مليار دولار.

ويواجه قطاع الصناعة في العراق بشكل عام، الذي من المفترض أن يساهم بتشغيل شرائح عديدة من المجتمع، تدهورا كبيرا منذ العام 2003 ولغاية الآن، في ظل توقف أغلب المعامل والتوجه للاستيراد، وقد قدر اتحاد الصناعات العراقية قبل سنوات، نسبة المشاريع المتوقفة بـ40 ألف مشروع، ودائما ما تتضمن البرامج الحكومية المتعاقبة موضوع تنشيط الاقتصاد والصناعة المحلية، لكن من دون تحقيق أي وعد، بل يستمر التبادل التجاري مع دول المنطقة مع إهمال الصناعة المحلية.

وفضلا عن القطاع الحكومي، فإن مشاريع القطاع الخاص، شهدت توقفا، بل وانهيارا كبيرا نتيجة لعدم توفر البنى التحتية للإنتاج، من تيار كهربائي أو حماية لازمة، خاصة في ظل الأحداث الأمنية التي يعيشها البلد بصورة مستمرة، ما انعكس سلبا على الشارع العراقي الذي تحول إلى مستهلك للبضائع المستوردة.

إقرأ أيضا