فيلم نوح: من أوتونبشتم السومري إلى نوح التوراتي (2 – 2)

قصة نوح السينمائي: يروي فيلم \”نوح\”، وهو فيلم ملحمي ديني من بطولة الممثل الكبير راسيل كرو الذي ظهر متمكنا تماما من دوره، رغم ما طَبَعَ أداءه من مقاربات ذات نكهة مسرحية، ربما كان يقتضيها دور من هذا النوع، وقد شاركته النجمة  إيما واتسون البطولة وكان أداؤها باهرا حقا.

مخرج الفيلم هو، كما قلت في فقرة سالفة، الأميركي دارين أرونوفسكي، صاحب أفلام \”البجعة السوداء\” و\”النافورة\” و\”المصارع\” وغيرها. أرونوفسكي مخرج مثير للجدل فنيا، فهو مخرج جيد ومبدع وذو خيال خصب، ولكنني شخصيا أعتبره \”غريب الأطوار\” إخراجيا، فقد لاحظت أنه يُضْعِفُ أفلامه في نصفها الثاني – وكأنه يتعمد ذلك أحيانا – كما حدث حين حول فيلمه الجميل \”البجعة السوداء\”، والذي بدأ فنيا وشاعريا وعميقا، ثم تحول إلى نوع من أفلام الرعب والجريمة المبتذلة. وقد رشح هذا الفيلم إلى جوائز الأوسكار، ولكنه لم يفز بأي منها، لا كأفضل فيلم ولا كأفضل مخرج، بل فازت  بطلة الفيلم ناتالي بورتمان بأوسكار أفضل ممثلة بطولة، والواقع، وهذا رأيي الشخصي، فإن بورتمان لم تكن تستحق الفوز بهذا الأوسكار رغم ما بذلت من جهود! وقد أخطأ أرونوفسكي أساسا في إسناد دور بطولة \”راقصة الباليه\” للنجمة بورتمان مع أن جسدها الممتلئ نسبيا لا يسمح لها بتجسيد هذا الدور بسهولة ورشاقة هائلة يقتضيها الدور، إذْ أنَّ راقصات الباليه، كما هو شائع، نحيفات ورشيقات جدا؛ وفي المناسبة، فقد وقع المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين في هذا الخطأ ذاته حين أسند دور الراقصة الغجرية في فيلم \”المصير\” وهو دور مفصلي ومهم، إلى الممثلة ليلى علوي بجسدها القصير والممتلئ \”جدا\” وحركتها البطيئة وأدائها المفتعل، فكانت ليلى علوي بمثابة عقب أخيل ونقطة الضعف الثقيلة في هذا الفيلم الممتاز والجريء في دفاعه عن الفيلسوف المسلم العقلاني والمستنير ابن رشد!

نعود إلى فيلم \”نوح\” ملخصين قصته، معتمدين في ذلك على الخلاصة التي وردت في الموسوعة الحرة للفيلم، مضيفين إليها ما أغفلته ولاحظناه عند مشاهدة الفيلم، لنرى أنه يبدأ بتسجيل حياة ‌نوح وهو فتى صغير، حيث يشهد مقتل والده \”لامَك\” على يد توبال قايين. بعد سنوات عديدة، ها هو نوح يعيش مع زوجته \”والهة\” وأولاده سام و‌حام و‌يافث؛ ولكنه، بعد رؤية زهرة تنمو على الفور من الأرض المتضمخة بالدماء، ثم الرؤيا التي رآها في المنام عن طوفان عظيم، يقرر نوح زيارة جده، مَتوشَلَخَ. وهذا ما يذكرنا بزيارة الملك السومري جلكامش للعجوز أوتونبشتم الوحيد الباقي حيا من عهد الطوفان ليحصل منه على عشبة الخلود. في طريقه لجده، يصادف نوح وأسرته مجموعة من الناس قتلت حديثاً، ويتبنون الناجية الوحيدة، وهي فتاة تدعى \”أيلا\”. يطارد رجال توبال قايين نوحا وعائلته لكنهم يلتجئون إلى الملائكة الساقطة المعروفين باسم \”الحراس\”، الذين تم نفيهم إلى الأرض على أشكال صخر من جنة عدن بسبب مساعدتهم البشر. يعطي مَتوشَلَخَ لنوح بذرة مستمدة من جنة عدن. يضع نوح البذرة في الأرض فتنمو غابة كاملة خلال ثوان، يستخدم أخشابها عائلة نوح والحراس من أجل صنع السفينة. بينما يقترب الانتهاء من صنع السفينة، تبدأ الحيوانات من مختلف الأنواع بالصعود على متنها، من كل نوع زوج، ويتم تنويم الحيوانات المفترسة وغير المفترسة بإشعال نوع من البخور المنوم لتفادي مشكلة الافتراس مشهديا.

بينما أيلا أصبحت تحب سام، يذهب نوح للمستوطنة المجاورة للبحث عن زوجات لحام ويافث، لكنه يشهد أكل لحوم البشر بواسطة الناس الجوعى فيقرر التراجع. بعد ذلك، يقوم مَتوشَلَخَ بشفاء أيلا من العقم. يقرر حام البحث عن زوجة بنفسه، فيلتقي بفتاة تدعى نائل؛ لكن عندما يهاجم رجال توبال قايين السفينة، يجبر نوح حام على الذهاب وترك نائل لتموت. جميع عائلة نوح تدخل السفينة ما عدا مَتُّوشَلَخَ الذي يبقى عن قصد. بينما يبدأ الطوفان، يقوم الحراس بالتضحية بأنفسهم لحماية السفينة من رجال توبال، وتصعد أرواحهم إلى السماء وبطريقة مضحكة جدا فهذه المخلوقات الحجرية التي يشع النور من شقوق كبيرة في رؤوسها تموت بعد أن يتغير لون النور ثم ينطفئ. وبعد ذلك يغرق الفيضان بقية الرجال، لكن توبال قايين يتمكن من الصعود على متنها ويغري حام، مستفيداً من غضب الأخير تجاه نوح لتركه نائل تموت. تصبح أيلا حاملا ثم يتوقف المطر. وعلى الرغم من محاولة زوجته إقناعه بالعدول، يقرر نوح قتل الرضيع إذا كانت فتاة لتلبية رغبة الخالق بتدمير الإنسانية، ويمكن أن نتذكر هنا ما ورد في ملحمة الطوفان البابلية حول غضب الآلهة من (البشر ذوي الرؤوس السود الذين كثر ضجيجهم فقررت إبادتهم) وحيثية الانتقام السماوي من البشر متكررة في الكتب السماوية وغير السماوية شرقا وغربا وربما نفهم منها محاولات بدائية لتفسير الكوارث الطبيعية التي كانت تجتاح العالم القديم.

تمر أشهر، وأيلا وسام يبنون طوفا للهروب من قرار نوح، لكن نوح يحرق الطوف بعد أن يكتشف أمره. بعد ذلك، تلد أيلا توأم بنات. في غضون ذلك، يقنع توبال قايين الابن حام بمساعدته في قتل أبيه نوح، فيهاجم نوح بواسطة توبال وحام وسام الذي يريد حماية زوجته وبناته. وبينما يتقاتلون، تصطدم السفينة بجبل، ويقتل حام توبال قايين. يأخذ نوح توأم البنات وقبل أن يقتلها بالخنجر ينظر إلى براءتهما ويقرر الصفح عنهما. عقب الخروج من السفينة، يعزل نوح نفسه عن الآخرين في كهف ويتصالح في ما بعد مع أبنائه ثم يسافر حام لوحده. وأخيرا، وبناء على طلب أيلا، يقوم نوح بمباركة العائلة كبداية للجنس البشري الجديد، ويشهدوا قوس قزح هائل.

هذه هي قصة \”نوح السينمائي\” ويمكن بكل بساطة ملاحظة أمرين: الأول هو بعدها عن النص التوراتي أو حتى السومري لقصة أو أسطورة نوح \”أوتونبشتم\”. وثانيا، الطابع الهوليودي السطحي والهجين \”مغامرات ورسوم متحركة ورومانسية وتاريخانية\” في هذه القصة التي تحاول جر الجميع إلى صندوق التذاكر عبر صناعة فيلم فج على صعيد القصة. ورغم ذلك فلمسات المخرج المتمكن وصاحب الموهبة أرونوفسكي كانت موجودة وبقوة، ولكن هذا الأخير لم يشأ إلا أن يمسخ جهوده لإخراج فيلم تاريخي جميل بغض النظر عن فنطازية الامتدادات المضافة للقصة وكانت حيثية المخلوقات الحجرية العملاقة التي سيطرت على ثلث الفيلم الأخير كارثة بحق حولت الفيلم إلى نوع من مسلسلات الرسوم المتحركة اليابانية الفجة. وكما قلنا فأورنوفسكي وقع في هذا الخطأ في أكثر من عمل كبير رشح بعضها إلى الأوسكار ولكنه فشل في نيلها حتى الآن.

ابن مكة: لفتت انتباهي بقوة كنية \”ابن مكة\” التي كان يطلقها بعض الشخصيات وخاصة توبال قايين على نوح وقد شككت في العبارة أولا، واعتقدت أنني أسأت سماعها، لولا أنها تكررت عدة مرات. ونبهتني جليستي في مشاهدة الفيلم إليها، ولا أدري حتى الآن ما المقصود بها. فعلى افتراض أن كاتب القصة يقصد بها مكة الحقيقية في الحجاز فلا علاقة لنوح بها، بل أن قصة إبراهيم القرآنية في السورة التي تحمل اسمه، تذكر أن إبراهيم هاجر إلى مكة يوم كانت خالية من الناس والماء والزرع \”واد غير ذي زرع\” وكانت معه زوجته سارة، التي ولدت له هناك إسماعيل. والقصة مشروحة بالتفصيل في صحيح البخاري وغيره من أمهات الكتب في التراث الإسلامي. فما علاقة نوح بمكة وبهذا اللقب الذي يمكن أن يطلق على إسماعيل وبنيه، أم أن الكاتب يعتبر نوحا من أحفاد إبراهيم وبالتالي أجاز لنفسه إطلاق كنية أحد أجداده عليه؟ هذه مجرد تساؤلات قد يكون في طرحها فائدة ما لإضاءة هذا الموضوع فنيا وتاريخيا وتأريخيا.

فائدة لغوية: كلمة \”التاريخي\” هي نسبة \”نعتية\” إلى التاريخ وحوادثه بمعانيها عامة. أما \”التأريخي\” فهي نسبة إلى ما تم تسجيله بأرقام السنوات في الماضي. للتوضيح: حين نقول بأن الحلاج شخصية تاريخية فنحن نعني أنها شخصية ذات قيمة كبيرة معنويا وأخلاقيا وفلسفيا في التاريخ العربي الإسلامي والإنساني وحين نقول \”الحلاج شخصية تأريخية\” فنعني أنه شخصية حقيقية في التاريخ وليست شخصية وهمية أو أسطورية.
* علاء اللامي: كاتب عراقي

إقرأ أيضا