في درجة الحبر المئوي

ليس من مشكلة في عراق ما بعد عام 2003 إلا المشكلة الثقافية.. فالوطن الخارج من ثقافة الاستبداد إلى ثقافة غريبة عليه تمثل حرية مفترضة في شكلها المتاح لم يعان ِقدر معاناته من ثقافات متسربة إليه سواء من خارج حدوده مغتنمة فرصة الحواضن المثيرة والجامعة له، أو من داخل حدوده مغتنمة الإقصاء طريقا لها. وكيفما كانت الأزمة كان لها أن تحل لو أن أسلوب المعالجة كان منطلقا من الرؤى الثقافية، إلا أن ما شهده الوطن هو تغليب الآراء العسكرية والإقصائية على أي صوت يدعو للعقل. وبعد تجربة احتلال وحكومة مؤقتة وأخرى صانعة لدستور دائم وأخرى تليها أخرى رسخت الحكم العراقي؛ لم يستطع العراق إلا أن يقدم فشلا في مجال إدارة ملفاته كلها ومن ضمنها الملف الثقافي المرتبط بالملفات الأخرى.

 

وفي هذه التوقيتات الجديدة التي تمثل بداية مرحلة تقودها رئاسات جديدة للجمهورية والبرلمان والوزراء كان للمثقفين العراقيين وقفتهم التي أرادوا أن يعبروا من خلالها عن رفضهم لسياسة المحاصصة وتقريب الفشلة الحزبيين من ملفات إدارة الوزراء، فكان مؤتمر استثنائي أصر على تقديم سلسلة من المشورة للجميع وخصوصا لرئيس الوزراء المكلف.

 

الواضح من الأمر أن الأهداف النبيلة لا تستطيع المقارعة وحدها، فنحن بصدد الحديث عن براغماتية سياسية ترى المنصب أيا ًكان وسيلة لخدمة شرائحها وتقديم المال والسلطة لفرض لونها السائد لغياب الرؤية الشاملة لدولة المؤسسات التي فشل العراق الجديد ببنائها. فالمطالبة، محض المطالبة، لا يعيها السياسي العراقي مهما كان حجم تأثيرها إلا إن وصل الأمر لزعزعة كيان عرشه.

 

فمؤتمر المثقفين العراقيين الاستثنائي على الرغم من أهميته كان عاجزا عن أن يحقق الصدمة الثقافية للمسؤول الحالي كونه لم يضع خريطة للاحتجاج سوى طريق المطلبية القديم، ولم يفكر بتقديم اقتراحات بديلة لشغل وزارة الثقافة لإلقاء الحجة على الحكومة، كما لم يفكر بسبيل لعقد الاحتجاج الثقافي في حال لم تستجب الحكومة لهذه المطالب. فمعظم المثقفين العراقيين لن يكلفوا حالهم عناء الرفض من البداية، كما لن يكلفوا حالهم متاهة الاختيار لعجزهم إلا عن الانقسام داخل الحظيرة الواحدة، منتظرين صدمة الشخص الجديد لينصب بعضهم نفسه وسيطا عنه لشق الصف لصالح السياسي الذي لا يفهم من الوزارة إلا سياسة التجيير لمصالح حامل السلاح أو الايديولوجيا.

 

رغم أهمية المؤتمر باعتباره صرخة في صحراء من الصمت؛ فإننا نحتاج إلى وقفة أشد شراسة للسعي لترشيق الوزارات، ولعل من أهمها وزارة الثقافة التي يثبت التاريخ الحديث أنها مفصل زائد عن حاجة الدول الحديثة. فالثقافة نتاج ٌحي لمجتمع مدني يتحرك في مؤسساته التي تمسك الأرض وتنظم أعمالها بقوانين تضمن ديمومة تمويلها من المال العام لتحقيق رشد إنساني لا ينزلق نحو التجيير. فما الفائدة من وزارة لم تستطع أن تختط من خلال مؤسساتها الممولة إلا خرابا جديدا يضاف إلى شاكلة الخراب؟ ولم التبذير والتقاعس عن تأسيس مجلس عام للثقافة تنتخب قيادته من المثقفين أنفسهم ويمول من المال العام لضمان حيادية الثقافة وعدم انجرارها وراء أنفاس قد تقودها لديكتاتورية جديدة؟

 

كل ذلك ينشأ في ذهن مثقف يحتاج إلى حركة مساندة له لضمان التغيير، وليقطع الطريق على مثقف مزيف يحاول ركوب الموجة أيا كانت كونه أدمن ركوب الأمواج السابقة.

 

لذا قد تكون الدعوة أبلغ حين يبدأ المثقفون إضرابهم المسبق لإعلان تشكيل الحكومة من خلال إحاطة وزارة الثقافة بالأرتال البشرية المثقفة لإيصال رسالة ضغط للمكلفين لأخذ رأي المختصين بالثقافة قبل التورط باختيار الأسماء من السياسيين المقربين، أو إطالة عنق التغيير ليشمل إلغاء هذه الوزارة وإعلان تأسيس جديد يمثل مقترحا حكوميا يصادق عليه البرلمان قانونا جديدا وخريطة طريق لحياة ثقافة جديدة.

إقرأ أيضا