في غياب الشاعر: لا أحد يجرؤ على توبيخ الموت

إلى كمال سبتي مرة أخرى

\”والتغزل بالموت هو تغزل بالخسارة\” 

                                     كمال سبتي

هاجس الموت كفعل وجودي يترك بصماته دائماً على تجربة الشاعر، والغياب الذي لا يحتمل إلاّ معنى واحداً، وهو الظلال إذن، لا تحقق الحياة في دورتها وانعكاساتها وتفاصيلها أحلام الشاعر.

للموت في أشكاله المختلفة حضور واسع في القصيدة، لذلك ظل كمال سبتي، رغم تعاقب السنين، شاعراً منتجاً مبدعاً لا يعرف الانقطاع ينهي قصيدة أو مقالة ليبدأ بأخرى كتلميذ مواظب لا يقوى على فراق الحبر والورق، ومثلما أدمن العزلة في أيامه الأخيرة وسكن فيها أدمن الكتابة في شكل طليق وحر تارة وفي شكل واسع لا نهائي يقترب من التأريخ في منظوره الخاص الذي يرفض الاستبداد، ويدعو إلى الحرية تارة أخرى حتى استمرت نصوصه الأخيرة في شكلها التأريخي والرمزي، الجمالي والذهني في ثنائية الحرية والتأمل ومقاربة التفاصيل التأريخية الدقيقة التي تجعل من موقف الشاعر الحياتي ومنظوره المعرفي ثابتين رغم مجرى الحياة الأعوج وسيولة الزمان الأهوج، وعليه بقي كمال يتأمل ذاته في الكتابة الشعرية أكثر مما يتأمل الواقع فيها، يؤدي فعل الكتابة باخلاص كبير، وكأنها واجب يومي مقدس، لا يعبأ بالغلاة، لأنه يستجيب لأمر معرفي وأخلاقي وإنساني محض ويمتثل إلى وازع نبيل، رامياً خلف ظهره حركة الواقع الخرب ومعايير الكتابة التقليدية وغبار الحياة اليومية، لكنه رغم ذلك، ظل ينظر بحنين إلى مكانه الأول وزمانه الذي يدفع البصر إلى الرحيل أو العودة إلى موطن البصيرة، إلى بلاده ومدينته الناصرية ليرثي أحدهما الآخر .

إن لموت الشاعر تعبيراً أعلى من المأساة وتجسيدا كثيفا لها، لأن الموت في شرطه المأساوي الفعل الوحيد الذي يحقق ذاتية المنفي ويصون المعنى شكلاً لوجود لا شكل له، فالموت شكل واضح وصادق والواقع اليومي المأساوي سديم لا حقيقة فيه، من هنا يمارس الشاعر في علاقته بالموت خياراً لم يستطع أن يحققه في الواقع وبهذا المعنى فإن الموت استعادة للطبيعة الأولى أو \”السماء الأولى\” أو حتى القصيدة الأولى، حيث يسيل الزمن مثل الحنين بلا انقطاع لتحضر البلاد أخيراً، لأن تآلف الشاعر مع البلاد جزء داخلي من تجربته في المنفى، بين المنفى والبلاد علاقة منطقية، فالمنفي لا يختار الموت تمجيداً للموت، فهو يذهب إليه دفاعاً عن حق البلاد/ الشعر في الاختيار، كما أن تجربة المنفى لا تدور بين حدين مجردين هما الحياة والموت، إنما تدور بسبب تفاصيلها اليومية بين معنى الحياة ومعنى الموت.

كيف نتأمل أو نتذكر كثافة اللحظة الفاجعة في نوازعها المختلفة؟ هذا السؤال أجابت عنه كلمات الشاعر الانكليزي الفرد إدوارد هاوسمان: (إذا كان الشعر يعمل على تنسيق أحزان العالم لكنه كثيراً ما يرتبك أمام الموت)، وبذلك تدور الفاجعة بين مستويين مختلفين: مستوى الحياة اليومية في قسوتها وأحاديثها العابرة ومستوى التجريد الذهني الذي لا يلتقي باليومي إلا لينفيه وفي هذين المستويين تعلن الفاجعة عن المسافة القائمة بين وضع الشاعر المنفي وأحلامه المكبوتة وبين البلاد الحبيسة أبداً في الفضاء المعلق، فلا يظل للشاعر من خيار إلا لعبة الموت الحقيقي لهروب من موت يومي بليد يشوه معنى الحياة والموت معاً.

هل يموت الشاعر لأنه سعى إلى الموت، ورأى خلاصه الحقيقي في السعي إلى موت حقيقي يحفظ البلاد والذات والحرية والشعر والجمال في صدفة من الزمن عاثرة، فيكون شاعراً في حياته وفي شكل الموت الذي وصل إليه أو اختاره؟ 

عاش كمال سبتي يكتب الشعر ويكدح في الحداثة، وتوالت الاعوام وتراكمت ثقيلة فوق ظهره ومع هذا لم يتعب، ظل والشعر صديقين متحابين، يباكر القصيدة ليوقظها من خدرها ويسابق الكلمات الجديدة الآتية للقصيدة مع الفجر، وحين هرب من البلاد تغيرت الحياة هناك وتبدلت أشكالها هنا، ولكنه بقي متشبثاً بالقصيدة حتى الرمق الأخير، يمضي بها بعيداً فتمضي به إلى البلد البعيد القريب من غير حاجة إلى دليل أو وسيط فقد حفظ الدرب بخلاف ما يُشاع عن المنفى من تهمة الرخاء والنسيان والنعيم، ولفرط تردده على البلاد، من خلال القصيدة، صباح مساء كان يقرأ على مسامعنا المزامير ويجاهر بأن العراق هو بلد الشعر . 

إدمانه كتابة الشعر فتح أمامه مغاليق العالم، وجعله يبصر أن العراق هو غير ما يصل إليه الساخطين، أحقاً أن حياة الشاعر تنتهي بمثل هذه النهاية، شاعر يموت على كرسي بعيداً عن البلاد والعباد. في زحام هذا الموت يعايش العراقي تجربة مستحيلة للتوفيق بين منهجين متناقضين للحياة كلاهما يدعو إلى الموت، بين هذين المنهجين المتناقضين لا يملك العراقي خياراً آخر سوى أن يدخل طائعاً في قلب الفاجعة ويجرب أن يعيش بشخصيتين لا تقرها مناهج الموت العبثي أو المنظم في أي مكان من العالم، إن معنى أن يكون الشاعر شاعراً أن يكون في الوقت ذاته إنساناً، ذلك هو كمال سبتي، وتلك هي حرفته على مختلف مستويات حياته وقصائده.

الأيام مُرّة حين نلوكها يا كمال، فالعراقيون مغيبون حياتياً ومهضومو الحقوق ثقافياً كما تعرف ومع هذا يتناسلون، إنها الدهشة التي رافقتنا مثلما رافقتك حيث الحياة والشعر واليأس والأحلام، حتى في هذه الأيام لم يكلف أحد خاطره ولو بالتذكر فكيف لي أن أطرح سؤال كهذا ولم أجد جواباً مُرضياً كأنما المواهب تحيا وتموت في غير أرضها، لا توجد في الحياة حياة بالمعنى الذي أعرفه، إنهم يأوون باكراً إلى بيوتهم بلا غضب أو ندم أو أحلام وهنا أتذكر ما قلته لي مرة: (أنا واحد من الذين وصلوا إلى الشاطىء الآخر)، فهل يعاقب أهل هذا الشاطئ الشاعر على مغامرته؟ هكذا إذن وجد الشاعر خلاصه في عالم بديل، ربما يغنيه عن الواقع الوحشي، في عالم متاح له يأخذ منه ما يشاء بحرية كاملة. 

في غيابك يا كمال كل شيء يأخذ لونه الأبيض، تخفت البهجة وتتراجع طقوس الرثاء.

إقرأ أيضا