«قدسية وعصمة».. معارضون خلف قضبان «مجهولة» 


تسجل بغداد انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي، كان آخرها ما قامت به جهة “مجهولة” من اعتقال مدون معروف بانتقاده الأداء الحكومي وبعض الشخصيات السياسية، من داخل مطار بغداد الدولي، واقتياده إلى جهة مجهولة، دون مبررات قانونية أو أوامر قضائية واضحة، ما عده مراقبون وخبراء مخالفا للقانون والدستور، وفيما طالبوا مجلس القضاء الأعلى بالتدخل، انتقدوا قيام الطبقة السياسية بتحصين نفسها بـ”قدسية وعصمة” لمنع أي انتقاد يطالها.

ويقول الباحث في الشأن السياسي محمد علي الحكيم، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، إن “ما جرى مع المدون ياسر الجبوري، مخالف لكل القوانين، فهي عملية اختطاف وليس اعتقال، فلا يمكن اعتقال أي شخص دون أي أوامر قضائية، وما جرى يهدد حرية التعبير ويدفع الكثير من الناشطين والمدونين إلى الهجرة من جديد لخارج العراق”.

يذكر أن المدون ياسر الجبوري، جرى اعتقاله يوم أمس الإثنين، في مطار بغداد الدولي، خلال مغادرته للعراق، حيث دخل البلاد قبل نحو أسبوع بجوازه الإيرلندي، لكونه مقيما هناك، وعند مغادرته اعتقلته قوة مجهولة واقتادته لجهة مجهولة.

ويضيف الحكيم، أن “الطبقة السياسية الجديدة بعد عام 2003، وخاصة الزعامات، خلقوا قدسية وعصمة للمناصب السياسية، بهدف عدم انتقادهم، وبالتالي فإن القوى السياسية حاولت ترسيخ العصمة والقدسية لكل من يتصدى للشأن السياسي في العراق، سواء كان ناجحا أو فاشلا أو فاسدا أو مرتبط بأجندات إقليمية أو دولية، وهذا يخالف الوعود بتوفير حرية الرأي والتعبير”.

ويلفت إلى أنه “بعد أكثر من 20 عاما على سقوط النظام السابق، والعراق ما يزال يحتل المركز التاسع عربيا بمؤشر حرية التعبير العالمي، بعد الجزائر ولبنان وتونس وموريتانيا والأردن وجزر القمر والمغرب والكويت، وهذا يعد أبرز دليل أن حرية الرأي في تدني خطير، وإذا استمر الوضع كما هو عليه بمنع ظهور محللين سياسيين وإغلاق قنوات فضائية وصفحات تواصل اجتماعي ومنع ظهور برامج ومقدمي برامج سياسية، واستمرار الاعتقالات دون أوامر قضائية، فالوضع يتجه للأسوأ”.

وبرز المدون الجبوري، منذ سنوات في موقع X (تويتر سابقا)، حيث عمد إلى نشر تدوينات تكشف بعض ملفات الفساد، فضلا عن انتقاده لأداء الحكومات في العراق، بما فيها الحكومة الحالية.

وخلال الفترة الماضية، شهدت البلاد حالات ملاحقة لمحللين سياسيين وناشطين، وأبرزها صدور أمر إلقاء القبض بحق المحلل السياسي، ليث شبر، وفق المادة 433 من قانون العقوبات العراقي، بناءً على دعوى رفعها مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وأساسها أن شبر، تهجّم على رئيس الحكومة في أحد اللقاءات المتلفزة.

كما جرى اعتقال المحلل السياسي محمد نعناع، بناء على دعوى رفعها السوداني ضده عندما كان مرشحا لرئاسة الحكومة، بتهمة التهجم عليه، ووصفه بأن السوداني شخصية “غير وطنية”، بالإضافة إلى تحريك السوداني، دعوى قضائية ضد محامية، بسبب تغريدة لها، انتقدت فيها أداءه الحكومي، وجرى استقدامها من قبل القضاء، ثم أطلق سراحها بكفالة.

وقد كرر السوداني ملاحقة المحلل السياسي محمد نعناع أكثر من مرة، حتى صدر حكم قضائي بسجنه 6 أشهر، بعد أن جرى اعتقاله أكثر من مرة من منزله، إلا أنه في النهاية تنازل عن الدعوى وأفرج عنه مؤخرا.

من جهته، يبين رئيس المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية غازي فيصل، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أن “أحزاب السلطة تتغاضي بشكل أو بآخر عن بعض مدونيها الذين يحرضون على العنف عبر القنوات الإعلامية ومواقع وصفحات التواصل، وتلاحق فقط المنتقدين لأداء الحكومات المتعاقبة الفاشلة منذ عام 2003، في ظل التلاعب بالمصطلحات واعتبار الانتقاد البناء نوعا من الابتزاز السياسي، وهذا الأمر يعد أعلى مراحل الخطورة والانحدار نحو الدكتاتورية”.

ويبين فيصل، أن “هناك بعض الشخصيات السياسية وبعض الزعماء يحاولون صناعة العصمة والقدسية السياسية لأنفسهم عبر تقييد حرية الرأي وحرية التعبير، وإذا عدنا للوراء قليلا، فإن المدونين المرتبطين بالسلطة هم أول من بدأوا خطاب التخوين والتفرقة والابتزاز، ومن الأمور المعروفة هي أن أغلب الحكومات المتعاقبة خصصت مبالغ كبيرة من أجل شراء الأصوات والمحللين وصفحات التواصل من أجل تلميع وجه السلطة، وكذلك لتلميع صورة الأحزاب والزعماء، كردّ نوعي ضد بعض الأصوات المنتقدة للحكومات المتعاقبة”.

ويؤكد أن “اعتقال أصحاب الرأي من المدونين والناشطين والمحللين بشكل تعسفي ودون أوامر قبض قضائية مؤشر خطير، ويجب أن يكون هناك ردع لهكذا عمليات من قبل مجلس القضاء الأعلى، وكذلك مجلس النواب، فلا يمكن الاستمرار بهذا النهج الذي يخالف الدستور العراقي الكافل لحرية التعبير”.

يشار إلى أن منظمة اليونسكو، حذرت منتصف العام الماضي، بمناسبة بدء أعمال القمة الدولية للفن والثقافة، من تعرض الصحفيين والفنانين الى استهداف في مناطق واسعة وخصوصا العراق، موصية الأمم المتحدة باتخاذ ثلاث خطوات لحمايتهم، أولها اعلان الفنانين في إطار التعبير الحر عن الفن جماعة ضعيفة معرضة للخطر وبحاجة الى اهتمام خاص، وإطلاق برنامج دعم واسع للصحفيين والفنانين يهدف لحماية أعمالهم والمساحات الفنية والثقافية التي يعملون بها، وأخيرا إطلاق برامج لاعادة بناء النظم القضائية والعوامل القانونية لحمايتهم خلال التحقيقات والمحاكمات.

يشار إلى أن المادة 38 من الدستور تنص على أن: تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب: أولاً:- حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل. ثانياً:- حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. ثالثاً:- حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون.

جدير بالذكر، أن جميع هذه القوانين والقرارات الحالية ما زالت تستند إلى مواد في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وفي الفترة الأخيرة جرى الاستناد إلى المادة 403 من القانون الخاصة بخدش الحياء.

إلى ذلك، يبين الخبير في الشأن القانوني علي التميمي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، أنه “لا يحق لأي جهة أمنية اعتقال أي مواطن دون وجود مذكرة قبض قضائية أو القبض عليه أثناء ارتكابه جرما يحاسب عليه القانون، وبخلاف ذلك فإن عملية الاعتقال غير قانونية، تحاسب عليها تلك القوة وكذلك من أعطاها أوامر الاعتقال”.

ويوضح التميمي، أن “الدستور العراقي واضح بفقراته بأنه مع حرية التعبير وكذلك مجلس القضاء العراقي مع حرية التعبير، وتوجد توجيهات بعدم اعتقال أي من أصحاب الرأي والصحفيين، وفي حال وجود أي تهمة بحق أي شخص يجب أن يبلغ ويتم استدعاؤه، خاصة بقضايا التسقيط، ولا يتم اعتقاله دون أي أمر قبض”.

ويردف “لذوي المعتقل الحق الكامل في التواصل مع السجين ومعرفة أين يحتجز وما هي تهمته، وتوكيل محام خاص له، فلا يمكن اعتقال شخص من قبل قوة أمنية مجهولة ويكون مكان الشخص أيضا مجهول والتهمة مجهولة، فهذا يخالف كل القوانين”، داعيا مجلس القضاء الأعلى بـ”التدخل والنظر فيما حصل من خروق قانونية”.

يذكر أن المواد في قانون العقوبات العراقي، والخاصة بإهانة السلطات، كانت تستخدم بشكل واسع خلال فترة النظام السابق، وسبق أن أصدر الحاكم المدني للعراق بول بريمر في 10 حزيران يونيو 2003، أمرا بإيقاف استخدامها، لكن الأمر تم إلغاؤه فيما بعد، دون أن تدعو كتلة نيابية لتعديل تلك القوانين.

ومنذ فترة، يحاول البرلمان تمرير قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي، حيث أدرجه على جدول أعماله قبل أن يرفع منها بضغوط شعبية ومن بعض الكتل السياسية، وسط طرح قانون جرائم المعلوماتية، الذي رفع من جدول الأعمال بضغط مماثل أيضا.

إقرأ أيضا