قراءة في لاهوت النزعة الإنسانية للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي

    الإنسان مستعادا، علامة مركزية، واتجاه جذري، في أعمال المفكر العراقي المعاصر عبد الجبار الرفاعي، إذ يمكن موضعته ضمن سياق طويل في استئناف الجهد المعرفي الإسلامي والإنساني. عمل الرجل منذ سنيه الأولى على بلورة ملامح مدرسة فكرية، تمتح من معين موارد عدة، من أهمها: المنظور الجديد للقرآن والتأويليات المشادة حوله، إضافة إلى مدرسة اليسار الإسلامي، ممثلة في مشروع من العقيدة إلى الثورة، التي أسس لها الفيلسوف المصري حسن حنفي، وأيضا المدارس الإسلامية الجديدة، من جهود محمد مجتهد شبستري الهرمنيوطيقي الإيراني الفذ، مرورا بأعمال داريوش شايغان في النقد الروحي للحداثة الغربية، وعقلانية ومعنوية مصطفى ملكيان، فتأويلية عبد الكريم سروش، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، فالابستومولوجيا الكونية الإنسانية عند محمد أبو القاسم حاج حمد، وما إليها من مدارس استطاع تجميعها وصهرها في بوتقة رؤية فكرية ومنهجية كلامية ثرية، إضافة إلى مقدرته النوعية على تحويل التنوع المختلف إلى محاورات نوعية وجيدة، ونادرا ما تجتمع في ثنايا مجلة، وقد كان ذلك، في المجلة الأم، أعني \”قضايا إسلامية معاصرة\”، وسلسلة \”كتاب فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد\”، وسلسلة \”كتاب آفاق التجديد\”، وسلسلة \”كتاب قضايا إسلامية معاصرة\”، وأخيرا سلسلة \”كتاب تحديث التفكير الديني\”، والحوارات التجديدية التي عقدها؛ في إصدارات تجاوزت المائتي عنوانا.
  كل التراث السابق الذي لملمه، قد وظّفه في مضمار بناء مشروع فكري، ولاهوت جديد، يندرج في المحاولات الدؤوبة لاستعادة القول المعرفي، والخطاب الفكري الرصين في الإسلام، من وحي المكاسب الجديدة التي أتاحتها التلاقحات المذهبية والعقائدية، وكذا النجاحات الهامة التي حققتها المنهجيات الجديدة، فتمخضت عن ميادين علمية مستحدثة ومطورة، من أهمها فلسفة الدين والكلام الجديد. إذ أجد الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من أهم الداعمين له، في صقعنا العربي الإسلامي، ومن الداعين البارزين لتوطين هذا النمط من الممارسة المعرفية والعلمية ضمن جهود الاستفاقة الحضارية، بشرط تكملة عدتها الابستمولوجية والفلسفية الضرورية.
  ولا يمكننا أن نستبين الأهمية الفكرية لدعواه، وتتماته، ما لم ندرج ذلك في مسار تطور المنظومات العلمية في مؤسساتنا، إذ عرّج على التمييز بين القارّ في هذه الممارسة المعرفية والمنهجية، وبين ما ينبغي تماما تخطيه وتجاوزه، والسعي نحو مضاهاة الدارج في الفضاء الحداثي، بوصفه من مكاسب الإنسانية النوعية، وبإعمال النقد، أفضى الرجل إلى خلاصة، تمثل هلعا مركزيا في كل أعماله، ألا وهي؛ غياب الإنسان، وضمور النزعة الإنسانية، في الجهد الفكري السابق للأمة.
وللأسف واصل المجددون، الخطأ البنيوي عينه، حالما استبعدوا من فقههم وتأصيلاتهم التنظيرية؛ الاعتبار الإنساني بوصفه لب التوليفة الوجودية، والمعرفية، والقيمية، وأحلوا مكانه مضامين أخرى، أقل ما توصف به؛ أنها غير إنسانية، أو لا أقل أخفته من حسبانها، وشرعت في بناء منظومات حياتية خالية من المسحة المعنوية والأخلاقية والوجدانية، وبالرجوع إلى الدرس الكلامي الإسلامي، وفلسفته الدينية، نجدها مبتلاة -حسبه- بالإخفاقات نفسها، وبتكرار مرير للفشل المريع في العودة إلى الإنسان، محور الوجود ومداره.
  وهنا نسأل: ما أهم الإخفاقات التي سجلها الرفاعي؟ وما موردها؟ وكيف تكرست في صميم بنية الثقافة العامة؛ حتى ظهرت كأنها العادي، الذي يجب؟ أين يكمن أهم قصور للممارسة الكلامية التقليدية، ولماذا استنفدت غرضها؟ وهل يكمن المخرج في ابتعاث رممها؟ أم لا بد من تحول جذري نوعي يفضي إلى تأسيسات جديدة غير مسبوقة؟
   قبل مباشرة أهم الانتقادات التي حلل بها إخفاقات الدرس الكلامي الإسلامي، والفوات البارز بينه وبين مثيليه في المسيحية خاصة، واليهودية، نود أن نمنح له دلالة مفهومية، تضعنا في قلب موضعه ضمن منظومة المعارف الإسلامية الشاملة، ونوطئ بخلاصة أساسية، وهي أنه من طبيعة دفاعية تبريرية، مقصدها الأسمى يتجلى في الإبقاء على حياض الدين مصانة، وأحكامه في النفوس مهابة، أما أن يتعدى إلى عمل تنظيري تأسيسي، بغرض إنتاج المعرفة وبنائها، فهذا ليس من شأنه، واختار لذلك تعريفات هامة، من الفلسفة، علم الكلام، تاريخ الأفكار.
  يعرّفه الفارابي (339 ﻫ) بقوله: \”صناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها. وهذا ينقسم إلى جزأين أيضا: جزء في الآراء، وجزء في الأفعال، وهي غير الفقه، لأن الفقه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة ويجعلها أصولا، فيستنبط منها الأشياء اللازمة منها، والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها أشياء أخرى\”(1) . إن قوة تعريف الفارابي، كامنة في جعله علم الكلام صناعة، ومعناه أن المتكلم امتلك ناصية الكلام، حتى أضحى عنده ملكة ووسيلة وآلة، وله وظيفتان، إيجابية/سلبية، تكمن في النصرة والتزييف، لكن دائما في اتجاه انكفائي يدور في نطاق الصدّ، لا التأسيس والبناء للمعرفة الغنية، على ما لهذه النتيجة من تعجل، لأن المتكلمين وضعوا في تفاصيل آرائهم بعض المعرفة المنتجة، لكن تضخمت أيديولوجيا الكفاح والنضال ضد المخالف، على كل الاعتبارات الابستمولوجية الأخرى.
  ونجد ابن خلدون ( 807 ﻫ) لا يخرج عن اتجاه؛ أن الكلام تبرز قيمته المعرفية فقط في الدفاع، إذ عرّفه بقوله: \”هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد هو التوحيد\”(2) . الأزمة اللاإنسانية التي يلمح إليها الرفاعي دائما، تبدأ من عمليات المفهمة، كأوليات مؤسسة للرؤية إلى العالم، والحكم على عناصره ومكوناته، ذلك أن ابن خلدون قزّم، لا الوظيفة الكلامية فقط من حيث ما هي، بل اختزل مهمة المنافحة على مدرسة بعينها، ونعت مخالفيها بأوصاف غير لائقة، وتؤسس لمواقف حدية إلغائية، لماّ وسمهم بالمبتدعة المنحرفين، فضيّق واسعا، وأضحى الإنسان في دين بعينه، والمسلم في مذهب مخصوص، وبذا تكرست الروح الإلغائية، إذ ما مصير المعتزلة، الشيعة الإثنا عشرية، الإباضية، الإسماعيلية، الماتريدية..قبال المعنى الذي يحصر المعرفة الحقيقية في أهل السنة، وكأني بالباقين أهل بدعة وفرقة.
  رغم أن \”البنية الأولى للفكر الإسلامي ظلت تموّن الفكر الكلامي وتقوده في نسقها المحدد، فتكررت في المؤلفات الكلامية منذ نضوج علم الكلام، الأفكار ذاتها، وأنماط الاستدلال، والموضوعات، ودخل هذا العلم مسارا مسدودا دأب فيه على العودة إلى المشكلات والتحديات نفسها التي بحثها السلف، ومكث يتحرك في مداراتها، يبدأ دائما من حيث انتهى، وينتهي حيث بدأ، من دون أن يتقدم خطوة إلى الأمام، ومع وفرة ما ألف في هذه الحقبة، غير أنه لم يكن سوى شروح وهوامش على المتون التقليدية\”(3).
نلاحظ أن الثراء الواسع في المدونة الكلامية، وغناها في التوزع بين مدارس عدة، تركت عن جهدها الاعتقادي، عبئا استدلاليا شديدا، إلا أنها في المحصلة ابتليت بانتكاسات في إنشاء المعنى وبنائه، فعوض أن تتقدم به إلى الأمام، بالانفتاح على مشكلات جديدة، وأزمات يلقيها التطور في وجه الحضارة الوليدة، نجده يرجع القهقرى باستمرار، إما باستدعاء مشكلات ماضية، أو بافتعال إجابات كفّت في زمانها، إلا أن الإصرار على معاودة بعثها، جعلها متقادمة، مستنفدة الغرض، خاصة لمّا تسلط علم الكلام الأشعري، وهيمن على منظومة القول الكلامي، وأزاح الألق الاعتزالي وبقية المدارس، فتاه في خضم الشرح والتقول والتبريرات، فاستحالت العملية إلى تفنن في التقليد، فانحبس الإبداع، وغابت قوة الاستدلال، فزاحمه التصوف، والفقه، والأدب..وتحولت منظومة المعرفة، إلى النقول والمحفوظات، والمستظهرات الكثيفة، الخالية من توهج العقل وعنفوانه.
   تبرز مشكلة أخرى؛ حاصرت الممارسة الكلامية المتنورة، ودفعت في اتجاه الحرمان من المعارف العقلية، وسلطت المعارف الاستظهارية، وقلبت موازين المعرفة، فجعلت عاليها سافلها، وتشوشت البنية الكلية للثقافة الإسلامية ـ حالما تحولت علوم الفهم عالة، على مستوى المستظهرات، من نصوص، وشروح مشادة حولها، فأضحت الأخيرة نزعة مكينة، غيبت العقل، ومن ورائه الإنسان، كما يشدد دائما عبد الجبار الرفاعي.
  تلك هي مشكلة المواجهة غير المتكافئة بين المتكلمين والفلاسفة من جهة، وبين الكل الآخر من جهة ثانية، أعني غير المتكافئة سوسيولوجيا، وإلا فإن من الوجهة الابستمولوجية لا يمكن لقوة أن تقف في وجه الممارسة العقلانية المنفتحة، \”منذ الأيام الأولى لولادة  التفكير الكلامي انبرى لمناهضته مجموعة من رجال الحديث، الذين قاوموا أية محاولة لتبرير النصوص المتشابهة وتأويلها، وأسرفوا في إلصاق شتى التهم بمن يحاول ممارسة هذا اللون من التفكير، بقطع النظر عن النتائج التي ينتهي إليها…\”(4). فشرع القوم في تجييش الجماهير العامية، ضد المتكلمين، ويدفعون بالمخيال العام، إلى فورات غير محسوبة العواقب، وعقابات هستيرية، واندفعوا تلقاء خلق فضاء تهويمي، غرضه الأساس خنق الحرية الفكرية، قبال ذهنيتهم التحديثية، حفاظا على رأسمالهم الرمزي، ومكانتهم الاجتماعية، وأيضا بدعوى الإبقاء على كيان الأمة الجديدة، وصون بيضتها، في البداية ضد الممارسة الكلامية ككل، ثم آلت بعد ذلك إلى مواجهة تمييزية، صنفت المدارس إلى سنية ناجية، وأخرى بدعية هالكة..
  ولا أدل على ذلك، من إجماع مؤسسي المذاهب الفقهية، كمالك، الشافعي، وابن حنبل، فيما ينقل عنهم، من تفسيق المتكلم وتبديعه، ونعته بأوصاف مشينة، تفضي إلى زعزعة مكانته العلمية، وحضوره الاجتماعي، وتاليا فقدانه لقياد الأمة، وانزواء إجاباته الفكرية، ومساهماته في بناء الفضاء الحضاري الجديد. ولو ما ينسب إلى الإمام أبي حنيفة من تآليف في الفقه الأكبر، وقبله الإمام جعفر الصادق، في أمره لبعض أصحابه بالكلام عن الدين، لأطبقت كلمة الفقهاء في زحزحة الممارسة الكلامية، وعدها صناعة غريبة عن البناء العلمي الإسلامي. \”وواصل الحنابلة مناهضة علم الكلام تبعا لنهج شيخهم، فخاضوا صراعات حادة مع أصحاب الكلام، وتوكأوا على سلاح التكفير في هذا الصراع، وبات تراثهم رافدا تستقي منه فتاوى تكفير فرق المسلمين، تلك الفتاوى التي عملت على تعميق انقسامات الأمة، وظلت إلى الآن تجهض مساعي الحوار الإسلامي\”(5). وهنا أشير إلى أهمية الالتفات التحليلي الذي مارسه الرفاعي، حالما ربط بين ضعف الممارسة العقلية بشكل عام، والكلامية بشكل خاص، في الثقافة الإسلامية، بسبب مناهضة الفقهاء، ودفعهم للعوام ومؤسسات الدولة، إلى استبعاد هذا اللون من المنهجيات التكفيرية، ومزاحمتها بركام من التراث النصوصي، المشبع بوعي اختزالي، عمّقه الحقد على كل مخالف، وظاهره تكفير كل ملة مباينة، ثم كل مذهب له تخريجاته الخاصة لمسائل الأصول في البداية، ثم انتهت حتى إلى إقصائه لبعض التباينات في الجزئيات، فجرّت على الأمة، التناحر، وصادرت كل إمكانية للثراء العقائدي ضمن برامج التعليم، وسياسات التثقيف، وهكذا \”…تغلغلت أفكار التيار المناهض للكلام، في وعي عامة المسلمين، فبدأ الكثير منهم ينظر بارتياب للفكر الكلامي، بل تنامت هذه الحالة، وصارت العلوم العقلية برمتها ينظر إليها الناس بتوجس وريبة، وأشيع مناخ مشبع بالتهمة حول هذه العلوم، حتى اضطر ذلك بعض المهتمين بها إلى التمسك بالتقية، والتكتم على معارفه، خشية إثارة حنق العامة، خاصة وأن بعض خصوم الكلام عمدوا إلى صياغة خطاب تحريضي ضد علم الكلام ومن يتعاطاه…\”(6).
أشرنا فيما سبق؛ إلى الاعتبار الأول الذي خنق الحرية الفكرية الإبداعية، وحرم العقل الإسلامي من امتلاك آليات الاجتهاد النوعي المركب، المفضي إلى تحريك عجلة التاريخ الثقافي والحضاري، فانتهينا إلى حال الركود والانحباس، وكلما تراجعت حركة المعرفة، تبعتها تراجعات وإخفاقات مريرة في شتى المجالات، \”…فمن لا يعيش المشاكل الراهنة والهموم اليومية، ويتعرف على جذورها ومسالكها، وما تكتسي به من أقنعة وظواهر تحجب وجهها الحقيقي، لا يكون شاهدا على عصره..\”(7).
وتضيع منه إمكانية الانخراط بوعيه الأصولي في معترك الأزمات الثقافية والحضارية الإنسانية، فما بالك بمنظومة حياتية تقصي من جنباتها الوعي العقلي، وللأسف حتى المتلاقح مع المنزع المستقي من مصدرية النص المتعالية، فتخلص إلى كونها وعاء تتراصف فيه أكوام المعارف المنقولة، والمتناقلة بتقليد شديد،  فعوض أن تتوسع دائرة المعارف، نجدها تضيق على نفسها، فتفاجؤنا تصنيفات أهمية العلوم والعلماء، بجعل الأكثر حفظا وتكرارا، أميرا للمؤمنين، كما هو حال المحدثين لما قلبوا التراتب الابستمولوجي للمعرفة، فجعلوا التالي سابقا، والسابق تاليا، وضمرت الحاجة إلى العلوم العقلية.
    وعند ذاك إذا \”…دخلت الأمة في مسار الانحطاط، فسوف يتداعى الإطار الاجتماعي لنمو المعرفة، وتسود حالة من تشتت العقل وتشوه رؤاه، تدخل معها معارف الأمة وعلومها مسار الانحطاط، تبعا لما عليه أحوال الأمة، فيتراجع دور العقل، ويضمحل التفكير الكلامي، وتغدو المحاولات الجديدة استئنافا للمحاولات الماضية، لا تتخطى إشكالياتها ومسائلها، بل وبنائها وأساليب تعبيرها\”(8).
إذن؛ هي أزمة، استحالت مع تشابك الظروف، إلى فقدان الممارسة الكلامية لجدواها الحضارية، وكأنها استنفدت غرضها، وأطبقت عليها التصنيفات الشكلانية، فخلصت إلى نمط من المماحكة المغلقة، والجدل العقيم، فأدى الوضع إلى سلبية شاملة، واستسلامية عارمة. فقد إسلام المتكلمين ألقه وعنفوانه، واستبدت به منظومة مسيجة من الاعتقادية الوثوقية، فتوارى النشاط الفكري العقلاني، وأصبحت الحضارة الإسلامية، شعارا تعيش على ما خلّفه العقلانيون الأصوليون السابقون.
  لكن من اللازم الإلماح إلى أن وأد النشاط العقلي في الفضاء الإسلامي، لم يتم دفعة واحدة، بل تناوبت على فرضه قوى متعددة، فظهرت مصادرتها بحسب الداعي التاريخي، فمرة تبرز في سلطة الفقهاء المتوجسين من النشاط النظري الحر، وأخرى بتدخل القوى السلطانية التي تسعى إلى تعميم رؤية معينة، بداعي المحافظة على انسجام المجتمع والأمة، وخوفا من الفقهاء على ملكهم، أو ربما توظيفا لهم لتعميم الأسلوب التبريري في التجاوب مع المخالفين، وتكريس اختياراتهم السياسية، \”..ولولا توفر أرضية مناسبة، وشيوع تقاليد ثقافية ترعى حق الاختلاف، وتؤمن بالتعددية الفكرية، لما وجد ذلك المناخ العلمي، الذي تبلورت فيه أبرز المدارس الكلامية في الإسلام، غير أن هامش الحرية بدأ يذبل ويضمحل، حين طغت روح التكفير على ذهن فقهاء القصر السلطاني، وتعاون المتوكل العباسي (247 ﻫ) مع أولئك الفقهاء، وفرض ترسيمة كلامية محددة، منحها المشروعية، فيما حظر أية وجهة خلافية في مقابلها\”(9).
ما يمكن ان نستمده من التحليل السالف، كون الرفاعي، يقسم تطور العقل الكلامي على مرحلتين؛ مثلت إحداهما حيويته وتعدده وثرائه، خاصة لما وجد الأطر الاجتماعية لتنميه وترعاه، فظهرت الفرق، وتجادلت، وأسست لنفسها براديغمات، وطرائق في الفهم، وإنتاج الحكم العقائدي، وما يرتبط به من؛ عدّة مفهومية، واستدلالية، فألفت الكتب، وعقدت المجالس، ونوظر الآخرون المخالفون من غير المسلمين، والمسلمين، لكن الأمر انقلب إلى غير الحال المألوف.
    فأعلنت الديباجة الماحية للتنوع، وقعّدت للإنفراد بقياد القول الكلامي،  فصودرت الجهود، وأغلقت المدارس، وأحرقت الكتب، ودخلت الأمة عهدا جديدا، كرس الأحادية، وجمع لها كل مقدراته لتحقيقها، فجاء الانقلاب على المعتزلة، من طرف المتوكل العباسي، وتواطأ مع الموقف التسلطي في فرض الآراء الكلامية، وتصنيف أية محاولة، لا تلتقي مع الآيديولوجيا الرسمية للسلطة ووعاظها، بوصفها ابتداعا ومروقا وانشقاقا على وحدة الأمة، وجرى تقنين هذا الموقف الأيديولوجي بنصّ كتبه القادر بالله (442 ﻫ) واشتهر باسم؛ \”..الاعتقاد القادري القائمي، وتبنى هذا الاعتقاد رؤية الحنابلة، وانحاز بإسراف إلى مواقفهم، بينما استهدف بقية المسلمين، واستباح دماءهم، لمجرد تمسكهم بمعتقد يخالف ما جاء فيه\”(10).
وهذا مظنة التشنيع على المخالفين، ما يحرم المسلمين من معنى الإنسان، ويدفع بهم إلى دين يضيق بالمختلف، رغم أن إمكانياته النظرية، وتقريراته العقائدية، تتيح الفرصة العارمة للتنبيه على الإنسان كمقولة وجودية أساسية، جاء الدين ليؤكد عليها ويدعمها باستمرار.
  وينضاف إلى المعنى السالف، ما جعل علم الكلام لاهوتا بعيدا عن العناية بالإنسان، في توسيع صلته النوعية بالعالم، في تحمل تبعات ما يفعل إزاء كل شيء، ومما أفقد اللاهوت الإسلامي بوصلة التوجه الإنساني اشتغاله بالمجردات، وإغراقه في الصوريات، \”…وراح يفتش في عوالم ذهنية مجردة، بعيدة عن الواقع وتداعياته ومشكلاته، فتغلبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحول علم الكلام إلى مشاغل عقلية؛ تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم لا علاقة لها بحركة الحياة وشجونها، وأمست مهمة المتكلم التفتيش في عوالم أخرى غير الحياة البشرية وعالمها، والتدقيق في مسائل افتراضية، ترتكز على محاجات منطقية، من دون أن يكون لها ارتباط بالواقع\”(11). والمعيب ليس في الأوصاف المنطقية السالفة، فتلك من السمات القوية المتينة الملازمة للممارسة الكلامية، لأن إشكاليتها تكمن في ذهولها عن الموضوع الأساس لمجئ الدين وقيام المعرفة به، وهو الإنسان، وكونه جانب الواقع، معناه انخراطه في أزمات نظرية، قد تكون ذات صلة بالإنسان، لكن من زاوية ميتافزيقية، رغم أن هذه الحمولة ربما تستحيل في إطار توظيفات معينة إلى قوة فاعلة،كما هو الشأن مثلا للمبدأ الخامس من أصول المعتزلة، وأعني به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فله اتصال بأوضاع الناس وشؤونهم الحياتية والاجتماعية.
  يضيف الرفاعي: \”إن هذا اللون من التفكير ظل أحد القيم السائدة لدينا قرونا طويلة، ولما تزل آثاره تطبع حياتنا الثقافية، فنبجّل رجل التأمل على رجل التجربة والعمل، من دون أن نتدبر عطاء كل واحد منهما، ودوره في خدمة الناس، وتنمية حياة المجتمع، خلافا لمنظور القرآن الكريم الذي يعلي من شان العمل، ويجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأعلون\”(12).
يظهر أن الدافع الذي حثّ عبد الجبار الرفاعي إلى إنكار الصيغة التقليدية من الكلام، هو إفراطه في تشقيقاته الجدلية الشكلية، وانكفاؤه عن الدور التوجيهي المباشر المحدد لتفاصيل التواصل العملي للحياة وشؤونها، فمشكلته تكمن في تغليب النظري على العملي، رغم جدواه، لكنه يخالف المنزع القرآني الميّال بشدة ظاهرة إلى محورة الحياة البشرية على الشأن العملي، بما أنه يضيف ويفيد الناس جميعا.
    وتلك من المقاصد الأساسية للكلام الجديد، أعني تحويل بوصلة الفهم إلى المسائل الحياتية للبشر. لذا فمحور القرآن؛ الإيمان المولد للمعرفة، المولدة للمشاعر والأحوال النفسية الدافعة، إلى السلوك الإيجابي الفعال المنتج للحياة، لكن ذلك كله غولب من توجه الكلام التقليدي، حال انكفأ على الدرس المجرد، المغرق في سماء جزئيات خلافية، حشدت لها كل إمكانيات المسلمين العلمية، فتوارت القيمة التربوية الثقافية للتوحيد، ومن ورائه الدين. \”ومع أن المسلم أصر على الإمساك بالإيمان وبوحدانيته، ولم يتخل عن إيمانه، غير أن هذا الإيمان فقد إشعاعه الاجتماعي، وتجرد من فاعليته، فلم يتجسد في نزوع للوحدة والمؤاخاة في حياة المجتمع المسلم، باعتبار أن عقيدة التوحيد توحّد المجتمع، في التصورات والغايات، والشعور، وأنماط السلوك. وإنما تعرض المجتمع إلى انقسامات شتى، وأمسى جماعات وفرقا متعددة، أهدرت الكثير من قدرات الأمة في سجالات أفضت إلى مواقف عدائية، وأقحمت الأمة في حروب عدائية…\”(13). لم تقف في حدود مخصوصة، بل امتدت إلى تقديرات جذرية مهلكة، بدأت ضد الكفار كما نعتوا، ثم انعكست على البنية الداخلية، فشرعت تهتك الحقوق الخاصة، بعدما حرمت المخالفين منها، وهكذا انحسر إشعاع التوحيد كقيمة أنطولوجية وتاريخية، توحد الإنسان في أفق الآدمية، أضحى ميزانا صلبا، ومعيارا متكلسا لقياس إيمان الناس وقربهم وبعدهم عن بعض الفهوم.
    وهكذا توارى الدين ملاذ الإنسانية، لصالح طريقة اختزالية جمعت الخير في دين بعينه، ثم في مذهب، ثم في فرقة، وتحولت الجنة التي عرضها السماوات والأرض، إلى ملكية خاصة مقصورة على طريقة بعينها، وفي هذا غفلة شنيعة عن الروح التوحيدية التي تجعل من الناس صنفين: أخا في الدين، أو نظيرا في الخلق.\”…إن المعنى الذي يخلعه الدين على الحياة، حياتنا نحن البشر، يتوقف في تفسيره وأبعاده وشموله ومجالاته على رؤيتنا للوجود البشري ومعناه وحدوده وإمكاناته، فقد يعظم ويبجل هذا الوجود ويحتفى به، حتى يجعل منه غنيا في كل شيء، عن كل شيء ما عداه \”(14). فيظهر الاستغناء والإلحاد، وقد يبرز في نطاق الاستعادة المتوازنة للإنساني في نطاق الوجودي، الممتلئ بالحضور الإلهي الفعال والمفعّل، غير المقابل للإنساني ولا الماحي له.
    وبذا يستعيد الدين، وتسترجع فلسفته ولاهوته الإنسان الممحوق، الذي سحقته اللاهوتيات الماحية، مرة بعنوان الإلحاد والاستغناء الطغياني، وأخرى بداعي العناية الموفورة والمفرطة بالإله وأسمائه وصفاته، فننتهي إلى إنسان زائل، لا جدوى من وجوده، لذا نجد المفكر الرفاعي يعيد بناء لاهوت النزعة الإنسانية. إذ \” يسعى ..إلى اكتشاف وظيفة الدين الأصلية في إنتاج معنى لحياة الإنسان. وهي وظيفة عجزت معظم الجماعات الإسلامية اليوم عن إدراكها، وأغرقت أنفسها والمجتمعات في نزاعات ومعارك يتجلى فيها كل شيء، سوى الأخلاق وقيم التراحم والمحبة في الدين\”(15).
من هنا تتجلى أهمية إعادة البحث عن المنازع المؤكدة على الإنسان الرباني الرحماني التراحمي، أكثر من ضرورة أنطولوجية وتاريخية، لمضمون علم الكلام الجديد، الذي يعدّ المفكر الرفاعي، واحدا من أهم المؤسسين له، خاصة حالما يؤكد على؛ \”…الخلاص والتحرر من نسيان الإنسان…والاعتراف ببشريته ومكانته في الأرض، وتصحيح نمط علاقته بربه، وتحويلها من صراع مسكون بالرعب والخوف والقلق، إلى علاقة تتكلم لغة المحبة، وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل\”(16).
ربما يخلص إلى أن المعنى السابق، يعجّ بمضمون عرفاني لا تطيقه المعرفة العلمية، وهو أدنى إلى اللغة الشاعرية الحالمة، منه إلى التأسيس الابستمولوجي للاهوت جديد، محرر من كل الأزمات التي يولدها الحقد، وتنشرها ثقافة الإكراه والكراهية. لكن الإحالة لجُماع ما كتبه الرفاعي؛ تؤكد على أن استعادة الدفء المعنوي للدين، وعنايته بالإنسان، وتغليبه لقيم التسامح والأخوة، هو من مقاصد مشروعه، ومن مطالب \”لاهوت النزعة الإنسانية في الدين\”، لذا عنون واحدا من أهم أطروحاته بـ \”إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين\”، أي البحث عن القيم التي تؤسس لحياة الكرامة الآدمية، حفاظا على جسده في حاجاته، والنفس في أمانها وسويدائها المعنوي الغني، والمفعم بطاقة الحب الناجعة والفعالة، من غير أن تخشى على خياراتها وقناعاتها من ناعق الموت، المتربص في لاهوت الإلغاء والفرقة الناجية، مستعيدا بذلك لوازع الدين المتسامح الخالق لفضاء السلام، وحيث لا سلام بين الأديان وفيها، لا يمكن أن يكون هناك بين المجتمعات سلام، جريا مع فلسفة اللاهوتي الكبير هانز كونغ.
    وبذلك يسعى الرفاعي، إلى: \”…استلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية السامية في التاريخ، وبناء إلهيات عقلانية مستنيرة، تحررنا من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص، وتحديث الإلهيات يتطلب الخروج من السياقات الكلاسيكية للتفكير الديني، وعدم التوقف عن طرح تساؤلات بديلة، والتوكؤ على منهجيات ومفاهيم مستوحاة من المكاسب الجديدة لفلسفة الدين، وعلوم التأويل، وفتوحات المعرفة البشرية، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب، والسعي إلى ترسيخ صورة رحمانية للإله، تستلهم ما يتحلى به من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، ورحمته التي وسعت كل شيء، فلن ينقذنا إلا إله جديد…\”(16).

الإحالات:
01-    الفارابي، أبو نصر: إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1968،   ص 15-16.
02-    ابن خلدون، عبد الرحمن: المقدمة، بيروت، دار القلم، ط07، 1989، ص 458.
03-    عبد الجبار الرفاعي: مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، سلسلة فلسفة الدين والكلام الجديد، بيروت، دار الهادي، ط01، 2005، ص 12.
04-    المرجع نفسه، ص 15.
05-    المرجع نفسه، ص 16.
06-    المرجع نفسه، ص 17.
07-    عبد الجبار الرفاعي: مناهج التجديد، دمشق، دار الفكر، ط1، 2000، ص 7.
08-    عبد الجبار الرفاعي: مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، مرجع سابق، ص 17.
09-    عبد الجبار الرفاعي: الاجتهاد الكلامي، مناهج ورؤى في الكلام الجديد، بيروت، دار الهادي، ط01، 2002، ص 7.
10-    عبد الجبار الرفاعي: الاجتهاد الكلامي، مرجع سابق، ص 7-8.
11-    عبد الجبار الرفاعي: علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، بيروت، دار الهادي، ط02، 2008، ص 16.
12-    المرجع نفسه، ص 17.
13-    المرجع نفسه، ص 18-19.
14-    عبد الجبار الرفاعي: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2013،      ص 25.
15-    المرجع نفسه، ص 9.
16-    المرجع نفسه، ص 11.

د. الحاج أوحمنه دواق

أستاذ علم الكلام وفلسفة الدين، قسم الفلسفة، جامعة باتنة، الجزائر.

إقرأ أيضا